
بقلم الدكتور – درويش جمال درويش
عضو جمعية الاقتصاد السياسي والاحصاء والتشريع
إن إعادة إحياء دور الوقف الإسلامي في العصر الحديث ليس مجرد استحضار لذكريات تاريخية أو ترف فكري، بل هو (حل) لمواجهة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي باتت تدفع بضحايا الضغوط النفسية نحو الانتحار.
لقد كان (بيت الغاضبات) بمثابة مؤسسة وقائية واجتماعية متكاملة، لتوفير الملاذ الآمن والحماية النفسية للمرأة بعيداً عن ضغوط المجتمع، فلو وجدت بسنت سليمان وغيرها هذا الوقف الإسلامي لتغيرت مصائر كثيرة، ولأدركنا أن استعادة روح الوقف هي ضرورة حتمية لتحصين المجتمع ضد الانهيار الأخلاقي والنفسي.
لم تكن الحضارة الإسلامية مجرد منارات للعلم أو جيوشاً للفتح، بل كانت منظومة إنسانية سباقة في رعاية أدق التفاصيل الاجتماعية، ولعل (بيت الغاضبات – أو دور الخانقاوات) هو الشاهد الأبرز على رقي التعامل مع الأزمات الأسرية قبل قرون من ظهور مراكز الاستشارات الزوجية الحديثة.
كان الهدف الأسمى لـ (بيت الغاضبات) هو توفير بديل كريم للمرأة التي يشتد بها الخلاف مع زوجها، فبدلاً من أن تجد الزوجة نفسها مشردة أو مضطرة للجوء إلى أهلها في حالة من الانكسار، كان هذا الوقف يفتح أبوابه لاستقبالها، لم تكن المرأة مجرد هاربة، بل ضيفة مكرمة، تُقدم لها الإقامة الكاملة والطعام والشراب من ريع أوقاف خصصها ميسورون لهذا الغرض الإنساني.
ظهرت الحاجة لهذه البيوت لمواجهة مشكلتين أساسيتين:
– الأولى: هي حماية المرأة من الاستغلال أو الضياع في حال عدم وجود من يحتويها وقت الغضب.
– الثانية: هي منع تفاقم الخلافات الزوجية التي قد تنتهي بطلاق متسرع نتيجة الصدام المباشر والمستمر تحت سقف واحد في لحظات الاحتقان.
لم يكن (بيت الغاضبات) مجرد فندق للإقامة، بل كان منظومة علاجية متكاملة فبمجرد دخول الزوجة، تبدأ عملية (امتصاص الغضب) عبر توفير أجواء من الهدوء والسكينة وكان يشرف على هذه البيوت نساء مشهود لهم بالحكمة والصلاح، حيث يقوموا بدور (المصلح الاجتماعي)، من خلال التواصل مع الزوج ويسمعن من الزوجة، لمحاولة تقريب وجهات النظر وتصفية النفوس بعيداً عن ضجيج المشاحنات اليومية.
إن (بيت الغاضبات) يمثل نموذجاً تاريخياً ملهماً يثبت أن استقرار الأسرة وحماية خصوصية المرأة كانا دائماً في قلب الرؤية الاجتماعية الإسلامية، محولاً لحظة الغضب من مشروع هدم للأسرة إلى فرصة لإعادة البناء على أسس من المودة والرحمة.









