المزيد

الكوتش أماني مختار: كيف تضع حدودًا دون أن تخسر علاقاتك؟

أجري الحوار: بسمة أحمد

في العلاقات الإنسانية، لا يعني الحب أن نتنازل عن راحتنا، ولا تعني الطيبة أن نظل متاحين للجميع على حساب أنفسنا. فوضع الحدود الشخصية ليس أنانية أو رغبة في الإبتعاد عن الآخرين، بل هو وعي بالذات وإحترام للإحتياجات والمساحة الخاصة، بما يضمن إستمرار العلاقات بصورة صحية ومتوازنة. وفي هذا الحوار، توضح الكوتش أماني مختار كيف يمكننا وضع حدود واضحة دون خسارة الأشخاص الذين نحبهم، والتمييز بين العطاء النابع من الحب والتنازل الذي يتحول بمرور الوقت إلى إستنزاف نفسي.
🔴 لماذا نشعر بالذنب عندما نقول «لا» للآخرين؟
يرتبط ذلك غالبًا بالشخصيات التي تعبّر عن الحب من خلال العطاء، فتخشى أن ترفض طلبًا حتى لا تحزن الآخرين أو تخسر صديقًا أو زوجًا. ومع مرور الوقت، يصبح هذا الشخص متاحًا للجميع بإستثناء نفسه، وقد يجد نفسه في دائرة من الإستغلال، كأن هو من سمح بإستمرارها دون أن يدرك ذلك. ثم تأتي لحظة يكتشف فيها صعوبة قول «لا»، بعدما اعتاد الجميع على عطائه، ويبدأ في التساؤل: أين مشاعري أنا؟ ومن يهتم بي وبإحتياجاتي.
🔴 كيف نفرّق بين وضع الحدود والأنانية؟
هناك فرق كبير بينهما؛ فالأنانية تعني أن أريد الحصول على كل شيء من الآخرين دون أن أقدم لهم شيئًا، وأن أطلب وقتهم وخدماتهم وإهتمامهم، بينما أعتبر وقتي وخصوصياتي ملكًا لي وحدي. أما الحدود الصحية، فتعني وجود تبادل متوازن في العلاقات؛ فأنا أحتاج إليك وأنت تحتاج إليّ، وأقدم لك الدعم كما تقدمينه لي، لكن دون أن يكون أحدنا ملزمًا بأن يكون متاحًا للآخر طوال الوقت. فالإنسان إجتماعي بطبيعته، لكن ليس من الضروري أن يكون متاحًا في كل لحظة. الحدود تساعد على إستمرار العلاقات، بينما الأنانية قد تدفع أحد الطرفين إلى الإبتعاد أو إنهاء العلاقة.
🔴 هل إحترامك لنفسك ومعرفتك بإحتياجاتك قد يزعجان الأشخاص المعتادين على إستغلالك؟
بالتأكيد، فقد يعيش الإنسان سنوات طويلة دون أن يفهم نفسه أو يدرك إحتياجاته الحقيقية، وربما يصل إلى ما بعد الخمسين حتى يبدأ في إكتشاف شخصيته وحدوده. وعندما يقرر أخيرًا أن يمنح نفسه وقتًا للراحة والإستمتاع بالحياة، قد يفاجأ بإعتراض الأشخاص الذين إعتادوا أن يكون متاحًا لهم طوال الوقت. يتساءلون: كيف أصبحت تهتم بنفسك؟ وكيف أصبحت تخصص وقتًا لسعادتك بدلًا من تلبية إحتياجاتنا؟ لذلك، يحتاج الأمر إلى وقت حتى يتقبل الآخرون هذا التغيير ويدركوا أن الإهتمام بالنفس حق مشروع، وليس تقصيرًا في حقهم.
🔴 كيف تتعاملين مع شخص لا يحترم حدودك رغم وضوحها؟
يحتاج الأمر إلى الصبر والهدوء وطول البال، مع توضيح الحدود بصورة مباشرة ومحترمة. فإذا كان شخص يتدخل في خصوصياتي أو يلومني لأنني لم أخبره بتفاصيل سفري أو حياتي الشخصية، يمكنني أن أوضح له بهدوء أن هذه أمور خاصة، وأنني لا أحب السؤال عما لا يعنيني، وأثق أنه إذا أراد أن يخبرني بشيء فسيفعل ذلك من تلقاء نفسه. المشكلة أن وسائل التواصل الإجتماعي جعلت مشاركة التفاصيل الشخصية أمرًا معتادًا، حتى أصبح الشخص الذي يحافظ على خصوصيته يبدو غريبًا وسط الآخرين. لكن من حق كل إنسان أن تكون له شخصيته ومساحته الخاصة، وعلى الآخرين إحترام ذلك.
🔴 متى يصبح الحفاظ على العلاقة على حساب راحتك النفسية خطرًا؟
تصبح العلاقة خطرًا عندما تتجاوز حدود الضيق والقلق المؤقت إلى التأثير الحقيقي في الصحة النفسية، وتصل إلى مرحلة تستدعي اللجوء إلى متخصص نفسي. سواء كانت العلاقة مع صديق أو مدير أو زوج، فلا ينبغي أن يكون إستمرارها سببًا في إستنزاف الإنسان نفسيًا. وبعد تكرار المحاولات للتفاهم ووضع الحدود، يجب تقييم طبيعة العلاقة وتأثيرها. فهناك علاقات يمكن إنهاؤها، وأخرى يصعب قطعها، مثل العلاقة مع الوالدين، لكن يمكن التعامل معها بطرق تحمي الإنسان وتحافظ على قدر من التواصل دون أن يفقد سلامه النفسي.
🔴 كيف نضع حدودًا قوية دون أن نخسر الأشخاص الذين نحبهم؟
البداية تكون من إقتناع الإنسان بأنه يستحق الحب والراحة والإهتمام، وأنه ليس مطالبًا دائمًا بأن يكون الطرف الذي يبادر ويقدم التنازلات ويظل متاحًا للجميع. عندما نقتنع بحقنا في حماية أنفسنا من الضغوط والعلاقات غير المريحة، نستطيع التعبير عن إحتياجاتنا بوضوح. ولا يعني وضع الحدود أن نقطع علاقتنا بالآخرين من أول موقف، بل إن الأمر يحتاج إلى التدرج والتعامل في مواقف متكررة، مع توضيح ما نقبله وما لا نقبله. والهدف هو أن نحافظ على الأشخاص المهمين في حياتنا، دون أن نخسر أنفسنا في سبيل إرضائهم. وفي ختام الحوار، تؤكد الكوتش أماني مختار أن بناء علاقات صحية يبدأ من فهم الإنسان لنفسه، وإدراكه أن العطاء لا ينبغي أن يكون على حساب راحته، وأن إحترام الحدود المتبادلة ليس حاجزًا بين الأشخاص، بل وسيلة لحماية المودة من التراكمات والضغوط. فالعلاقة الناجحة لا تقوم على إلغاء الذات لإرضاء الآخرين، وإنما على التوازن والإحترام والتفاهم، بحيث يستطيع كل طرف أن يحب ويعطي، وفي الوقت نفسه يحتفظ بحقه في الخصوصية والراحة والإستقلالية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى