الاخبارمقال

الدكتور ناصر الجندي يدون قصة قصيرة بعنوان “الزوجان الأسودان”

بقلم دكتور ناصر الجندي
لقاء النار والرماد
كان جمال البندراوي رجلًا يعرف طريقه وسط الظلال. معلم فلسفة، لكنه أقرب إلى تاجر ضمائر. متسلل عبر الثغرات، متقن لابتزاز الطلبة، بارع في التلاعب بالإدارة، يتحرك خلف الأقنعة.
أما جلنار عبد الحليم، فكانت وجهًا آخر للظلام. زوجة الضابط، لكنها لم تكن تابعة لأحد. كانت تعرف كيف تسكت، تبتسم، تُمثل. خلف نظرتها الهادئة، كانت هناك عقلية تخطّط، وذاكرة تحفظ، وقلب لا يرحم.
حين تقاطعت طرقهما، لم تكن مصادفة.
جلنار رأت في جمال “الفرصة”، ورأى جمال فيها “الشريكة”.
الحديث بينهما كان كرقصة سيوف، لكن دون دم.
ثم، كما في قصص الجريمة القديمة… اتفقا على القتل.
قتلوا الضابط نادر، الزوج الذي حسب أن المرأة شيء يُملَك، وانطلقت شرارة شراكة سوداء لا رجعة فيها.
زواج في مقبرة
بعد موت نادر بأشهر، تزوج جمال وجلّنار. حفل صغير، شهادات قانونية، قُبلة أمام العدسات… لكن ما لم يعرفه أحد أن هذا الزواج لم يكن سوى اتفاق استراتيجي، وليس قصة حب. هو يحتاج وجهها الاجتماعي وثروتها. وهي تحتاج دهاءه، وغطاءه، وقدرته على التلاعب بالجميع.
وسرعان ما تحولت شقتهما إلى غرفة عمليات: خطط لابتزاز مديري مدارس. نظام “بيع امتحانات” يمتد لثلاث محافظات. تلاعب في مسابقات تعيين المعلمين. رشاوى. أوراق مزورة. تلاعب في نتائج امتحانات الثانوية العامة. وكل مرة كانا ينجحان، كانا يضحكان، ويتعاهدان على قاعدة واحدة: “لا ولاء إلا لبعضنا، ولا حدود إلا الموت.”
الثنائي الذي لا يُقهر
كانت جلنار تمثل بوجهها الرقيق “القناع” الذي لا يُشك فيه. سيدة راقية، تُدرّس الأدب الفرنسي، تتحدث عن فيكتور هوغو وكامي وبودلير. أما جمال، فكان “اللاعب”، يدخل كل المعارك بنفس واثق، يستخرج التوقيعات، يخدع المفتشين، ويراهن على ضعف الآخرين. معًا، كانا كمن يحكم شبكة تحت الأرض. صارا يُطلق عليهما في الخفاء: “الزوجان الأسودان.” وكانت ضحاياهما تتساقط بصمت:
• معلمة شريفة أرادت الإبلاغ، فلفّقوا لها فضيحة أخلاقية.
• ناظر مدرسة رفض الرشوة، فاختفى في حادثة طريق غامضة.
• طالبة متفوقة أرادت النجاح دون شراء الامتحان، فرسبت بلا تفسير.

الشقوق الأولى
لكنّ الظلام لا يبقى متماسكًا للأبد. مع الوقت، بدأت شقوق صغيرة تظهر. جلنار كانت أكثر طموحًا… كانت تريد توسيع شبكتها، دخول عالم السياسة، أن تصبح مديرة تعليمية… بل ربما نائبة في البرلمان. لكن جمال كان يقاوم، خائف من الأضواء، متمسك بمنطق “الظل أقوى”. في ليلة باردة، نشب بينهما خلاف عنيف.
قال لها: “أنا صنعتك، لولاي كنتي لسه عايشة في سجن نادر.”
فردّت ببرود: “وأنا جعلتك سيد إمبراطورية، بعد ما كنت بتاخد رشاوي من أولياء الأمور في الظل.” العيون اتسعت… القلوب ضاقت… ورغم المصالحة السريعة، كان الشك قد وُلد.
الخيانة السوداء
جلنار بدأت تنسج شبكة مستقلة، تخطط للانقلاب على جمال. جمعت الأدلة ضده… تسجيلات، حسابات مصرفية، أسماء شركاء.
كانت تخطط لتقديمه “قربانًا” لتغسل يدها وتصعد وحدها. لكن جمال، لم يكن غافلًا. وجد دفترًا مخبأً في درجها… قرأ كل شيء.
وفي ليلة العشاء المعتادة، أعدّ لها “فتة بالخل والثوم”… نفس الطبق الذي قتلا به نادر. جلست، أكلت، وابتسمت: “بتفكر في إيه؟” “بفكر إنك كنتي أذكى مني بشوية…” قالها ثم رفع الكأس. “لكن أنا علمتك كل حاجة… واللي علمك، يقدر يسحب نفسه في آخر لحظة.” ثم توقف عن الأكل. ونظر إلى طبقها… هي التي أكلت أولًا. هي التي طبخت. ابتسمت وهي تمسح فمها بمنديل: “أنا غيرت الوصفة… والسم مش في طبقي.” ثم وقفت. “كان لازم أمشيك من الطريق، يا جمال. شكرًا على كل شيء… لكن المرحلة الجاية عايزة حد ما بيرتعش.” وسمعت ضحكته الأخيرة، مكتومًا… مختنقًا.
الوردة السوداء
اليوم، جلنار امرأة قوية، تقف على المنصات، تخطب عن التعليم، وتطالب بالإصلاح. لكن في عينيها… ظل. ظل يعرفه فقط من ذاق سمها. في قلبها صورة جمال… لا حبًا، بل درسًا. فهي الآن لم تعد بحاجة لشريك. جلنار عبد الحليم… لم تكن زوجة الضابط فقط، ولا زوجة المعلم الفاسد. هي الآن، “سيدة الظلال”. تعلّمت من الشيطان… ثم أكلته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى