مقالالرئيسية

حينما يصبح الحرام أحلى من الحلال

بقلم – محمد جاسم الذوادي 

  في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة، وتتزاحم فيه المغريات، بات من اللافت أن ينظر بعض الناس إلى الحرام على أنه أكثر جاذبية من الحلال، وكأن القيم انقلبت، أو المعايير اختلت. لم يعد الأمر مقتصرًا على حالات فردية، بل أصبح ظاهرة تتسلل إلى مجالات متعددة من حياة الإنسان، سواء في العلاقات أو الأموال أو حتى في أساليب العيش اليومية.

   في جانب العلاقات، نرى كيف يُغلف الحرام أحيانًا بثوب الرومانسية والحرية، فيُصور على أنه تجربة مثيرة خارجة عن المألوف، بينما يُنظر إلى الحلال، كالزواج مثلًا، على أنه قيد أو مسؤولية ثقيلة. هذه النظرة المختلة لا تعكس حقيقة الأمور، بل تعكس تأثرًا بثقافات سطحية تُجمّل اللحظة وتُغفل العواقب. فالحرام، وإن بدا في بدايته ممتعًا، غالبًا ما ينتهي بآثار نفسية واجتماعية قاسية، بينما يقوم الحلال على الاستقرار والاحترام والطمأنينة.

   أما في مجال الأموال، فالصورة لا تختلف كثيرًا. حيث يسعى البعض إلى الربح السريع ولو عبر طرق مشبوهة، كالغش أو الرشوة أو التلاعب، معتقدين أن المال الحرام يحقق لهم رفاهية وثروة هائلة بشكل أسرع. ولكن التجارب الواقعية تثبت أن هذا المال، مهما كثر، يفتقد البركة، ويكون سببًا في القلق والخوف وفقدان الثقة، في حين أن المال الحلال، وإن جاء قليلاً او بطيئاً، إلا أنه يحمل معه بركة الرزق وراحة الضمير واستقرار الحياة.

  هذه المفارقة في تفضيل الحرام على الحلال ترتبط بشكل وثيق بضعف الوازع الديني. فحين يضعف الشعور برقابة الله عزوجل أو يستهان بها، ويغيب الإيمان بأن لكل فعل حسابًا، يصبح الإنسان أكثر عرضة للانجراف خلف رغباته الآنية. فالوازع الديني ليس مجرد شعائر، بل هو منظومة قيم تضبط السلوك وتوجهه نحو الخير والصلاح، وتمنح الإنسان القدرة على التمييز بين ما هو لذيذ مؤقتًا وما هو نافع دائمًا.

  كما أن غياب القدوة الصالحة، وانتشار النماذج التي تروج للنجاح السريع دون اعتبار للأخلاق والقيم، يسهم في ترسيخ هذا الخلل ونشره في المجتمع. فالشباب، على وجه الخصوص، يتأثرون بما يرونه أكثر مما يسمعونه، وإذا كانت النماذج المقدمة لهم تمجد التحايل والتجاوز، فمن الطبيعي أن ينجذبوا نحوها دون وعي أو إدراك.

   إن إعادة التوازن يجب أن تبدأ من الداخل، من إحياء الضمير، وتعزيز الوعي، والعودة إلى القيم والأخلاق التي تضع الحلال في مكانه الصحيح، باعتباره الطريق الآمن والمستدام. فالحلال ليس أقل متعة، بل هو أعمق أثرًا، وأبقى نتيجة. والحرام، مهما بدا لامعًا، يظل خداعًا مؤقتًا يخفي وراءه خسائر لا تُدرك إلا بعد فوات الأوان.

  في النهاية، ليست القضية في كون الحرام يبدو أحلى، بل في قدرة الإنسان على إدراك الحقيقة وراء هذا الوهم، واختيار ما يليق بكرامته وإنسانيته ودينه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى