
حين عبرت مصر القناة… هل تعبر المنطقة أزمتها؟
أكتوبر 1973 من ذاكرة الحرب إلى أسئلة السياسة في الشرق الأوسط
بقلم الدكتور ناصر الجندي
هناك لحظات في التاريخ لا تنتهي بانتهاء المعركة.
تظل حاضرة، لا لأن الناس يحبون استعادة ذكرياتها فحسب، وإنما لأنها تحمل في داخلها درسًا يتجاوز زمانها ومكانها. والسادس من أكتوبر 1973 واحد من هذه الأيام؛ يوم لم تعبر فيه القوات المصرية قناة السويس فقط، وإنما عبرت معها المنطقة من حالة سياسية إلى حالة أخرى، وأجبرت العالم على إعادة النظر في حساباته.
كان المشهد في ذلك الوقت يبدو شديد الصعوبة.
أرض محتلة منذ سنوات، وموازين قوة مختلة، وجدار من التحصينات، ومجتمع دولي تحكمه حسابات الحرب الباردة.
ومع ذلك حدث العبور.
لم يكن العبور معجزة خارقة لقوانين التاريخ، بل نتيجة تخطيط طويل، واستعداد، وتوقيت، وإرادة سياسية وعسكرية، والأهم أن مصر لم تتعامل مع واقع ما بعد 1967 باعتباره واقعًا أبديًا.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
فالتاريخ لا يتغير عندما يتمنى الناس تغييره، وإنما عندما تتوافر القدرة على تغييره.
من ضفة القناة إلى ضفة السياسة
اللافت في تجربة أكتوبر أن تأثيرها لم يتوقف عند نتائج المعارك.
فالحرب دفعت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي إلى التدخل بصورة مباشرة في الأزمة، وأصبح خطر اتساع المواجهة أحد عناصر الحسابات الدولية، بينما ارتبطت الحرب بأزمة الطاقة العالمية، فتحول الشرق الأوسط إلى قضية ذات تأثير مباشر في الاقتصاد والسياسة الدولية.
ثم جاءت السياسة. وقف إطلاق النار. مفاوضات. فصل للقوات. ثم مسار طويل انتهى باتفاق السلام المصري الإسرائيلي.
وهنا تكمن إحدى أهم رسائل أكتوبر التي كثيرًا ما تضيع وسط الاحتفال بالمشهد العسكري: الانتصار العسكري الحقيقي لا يكتمل إلا عندما يتحول إلى قدرة سياسية.
فالحرب تستطيع أن تغير ميزان القوة، لكن السياسة هي التي تحدد ماذا سيفعل العالم بهذا التغيير.
الشرق الأوسط اليوم… عالم مختلف
بعد أكثر من نصف قرن، تبدلت الخريطة. لم يعد الصراع الإقليمي مجرد مواجهة بين جيوش تقف على خطوط تماس واضحة.
دخلت الصواريخ بعيدة المدى، والطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، والمعلومات، والطاقة، والموانئ، والممرات البحرية، والعقوبات الاقتصادية، والتحالفات المتغيرة.
وأصبحت المسافة بين حدث صغير في منطقة ما وتأثيره على العالم أقصر بكثير.
فالتوتر في مضيق هرمز، على سبيل المثال، لا يبقى شأنًا خليجيًا؛ لأن أي اضطراب كبير هناك يمكن أن يؤثر في حركة الطاقة والتجارة والأسواق العالمية. وفي أكتوبر 2026 ارتبطت التوترات العسكرية في المنطقة بالفعل بمخاوف بشأن إمدادات النفط وحركة الملاحة.
وهكذا تغير مفهوم القوة. لم تعد الدولة الأقوى بالضرورة هي التي تملك أكبر عدد من الدبابات.
القوة اليوم هي قدرة الدولة على حماية أمنها، وتأمين اقتصادها، والتحكم في مواردها، وبناء تحالفاتها، وحماية مصالحها، والتعامل مع الأزمات قبل أن تتحول إلى كوارث.
غزة… السؤال الذي لم يجد المنطقة جوابًا نهائيًا
وفي قلب المشهد تبقى القضية الفلسطينية.
فالهدنة قد توقف إطلاق النار، لكنها لا تصنع بالضرورة سلامًا.
وتشير الأمم المتحدة في تقاريرها خلال 2026 إلى استمرار هشاشة الوضع في غزة، وتعقيدات إعادة الإعمار، واستمرار التوتر في الضفة الغربية، بما يؤكد أن وقف الحرب لا يعني انتهاء الأزمة السياسية.
وهنا يجب أن نفرق بين أمرين: إدارة الأزمة، وحل الأزمة.
إدارة الأزمة تعني منعها من الانفجار.
أما حل الأزمة فيعني معالجة أسبابها وإيجاد صيغة سياسية يستطيع أطرافها العيش معها.
والشرق الأوسط، منذ عقود، يملك خبرة طويلة في إدارة الأزمات.
لكنه لا يزال يبحث عن تسويات قادرة على إنهاء بعضها.
السؤال الأصعب: ماذا بعد القوة؟
ربما يكون هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه على المنطقة كلها.
هناك دول تمتلك جيوشًا قوية. ودول تمتلك اقتصادًا مؤثرًا. ودول تمتلك الطاقة. ودول تمتلك الموقع الجغرافي. ودول تمتلك أدوات نفوذ إقليمية.
لكن امتلاك عناصر القوة شيء، وتحويلها إلى نظام إقليمي مستقر شيء آخر تمامًا. فالردع يمكن أن يمنع الحرب، لكنه لا يصنع السلام وحده.
والقوة يمكن أن تفرض واقعًا مؤقتًا، لكنها لا تستطيع دائمًا بناء مستقبل مستقر.
والتحالفات يمكن أن تحمي المصالح، لكنها تتغير عندما تتغير المصالح.
لهذا فإن المنطقة تقف أمام معادلة شديدة التعقيد: كيف تحافظ الدول على أمنها دون أن تتحول المنطقة إلى ساحة دائمة للتصعيد؟

مصر في قلب المعادلة
وهنا تظهر أهمية مصر مرة أخرى. فالجغرافيا لم تتغير. مصر ما زالت عند نقطة التقاء العالم العربي بالمتوسط، وقناة السويس ما زالت واحدة من أهم شرايين التجارة العالمية، والحدود مع غزة تجعل الأمن المصري مرتبطًا بصورة مباشرة بما يجري هناك.
لكن الأهم أن التجربة المصرية نفسها تقدم نموذجًا مختلفًا في التعامل مع الأزمات: القوة ليست غاية مستقلة، وإنما أداة لحماية المصالح وفتح المجال أمام السياسة.
وهذا هو أحد الدروس التي يمكن استخلاصها من تجربة أكتوبر.
المنطقة أمام “عبور” جديد
ربما لا تحتاج المنطقة اليوم إلى حرب جديدة بقدر ما تحتاج إلى إعادة تعريف لفكرة القوة.
أن تكون قويًا لا يعني أن تكون دائمًا في حالة مواجهة.
وأن تمتلك القدرة على الرد لا يعني أن تستخدمها في كل مرة.
وأن تدخل في تفاوض لا يعني بالضرورة أنك تخلت عن قوتك.
بل ربما تكون السياسة الأكثر تعقيدًا هي أن تعرف متى تستخدم القوة، ومتى تستخدم الدبلوماسية، ومتى تصمت، ومتى تتحدث، ومتى تتمسك بموقفك، ومتى تبحث عن تسوية تحفظ مصالحك.
وهنا يصبح أكتوبر أكثر من ذكرى. يصبح درسًا.
ففي 1973 لم يكن الهدف عبور القناة من أجل العبور ذاته.
كان الهدف تغيير واقع سياسي.
وهذه الفكرة بالذات ربما تكون أكثر ما تحتاج المنطقة إلى فهمه اليوم.
فالشرق الأوسط لا يحتاج إلى إعادة إنتاج الماضي، وإنما إلى قراءة دروسه.
لقد تغيرت الأسلحة، وتغيرت التحالفات، وتغير الاقتصاد، وتغيرت طبيعة الصراع، لكن القاعدة الكبرى ما زالت كما هي: لا دولة تستطيع حماية مصالحها إذا كانت عاجزة عن فهم ميزان القوة، ولا قوة تستطيع صناعة سلام دائم إذا كانت عاجزة عن إنتاج حل سياسي.
من عبور القناة إلى عبور المستقبل
في ذكرى أكتوبر، من السهل أن نتذكر لحظة العبور. لكن الأصعب أن نفهم معناها.
لقد عبرت مصر قناة السويس في 1973، ثم دخلت بعد ذلك طريقًا سياسيًا طويلًا.
واليوم تقف المنطقة كلها أمام قناة أخرى، لكنها ليست من الماء.
إنها قناة من الأزمات المتراكمة، والحسابات المتشابكة، والمخاوف الأمنية، والمصالح الاقتصادية، والصراعات المفتوحة.
والسؤال الذي سيحدد شكل السنوات القادمة ليس: من يستطيع أن يطلق النار أكثر؟
بل:
من يستطيع أن يحول قوته إلى استقرار، ونفوذه إلى تسوية، وموقعه إلى تأثير، وتاريخه إلى رؤية للمستقبل؟
فالأمم لا تعيش على أمجاد الانتصارات إلى الأبد.
الأمم الحقيقية هي التي تعرف كيف تجعل من انتصار الأمس قدرة على صناعة الغد.
وربما كان هذا هو المعنى الأعمق لأكتوبر:
أن العبور لا يكون دائمًا من ضفة إلى ضفة… أحيانًا يكون العبور الحقيقي من واقعٍ اعتدنا عليه إلى واقعٍ نملك القدرة على صناعته.




