تعليممقال

الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي يكتب “الامتحانات كاحتفالات ذهنية: نحو رؤية متفائلة لمستقبل التقييم التعليمي”

بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي

   الامتحانات بين أسطورة الخوف وممكنات التغيير
   لطالما ارتبطت كلمة “الامتحان” في الأذهان بجوٍ مشحونٍ بالقلق، وأوراق مليئة بالأسئلة الغامضة، وزمن ينفد سريعًا كحبات الرمل من بين الأصابع. في معظم الأنظمة التعليمية، لا يُنظر إلى الامتحانات على أنها جزء من عملية التعلم، بل باعتبارها لحظة فاصلة تحدد مصير الطالب، وتزن قيمته الأكاديمية والاجتماعية.
لكن ما الذي يجعل الامتحان تجربة مرهقة إلى هذا الحد؟ وهل يمكن تغيير النظرة السائدة عنه؟ وهل من الممكن إعادة تخيل الامتحان ليكون “احتفالًا معرفيًا” بدلاً من أن يكون “ساحة إعدام ذهني”؟
هذا المقال يقدم طرحًا غير مألوف: الامتحان ليس خصمًا للتعلم، بل يمكن أن يكون لحظة وعي عميق بالذات، واحتفالًا داخليًا بالإنجاز والنضج الفكري. لنقلب النظرة إذن، وندخل دهاليز الامتحانات من بوابة التفاؤل، لا الرعب.

   الامتحانات بوصفها أدوات “للاحتفاء المعرفي” لا للمحاسبة
     في الفهم التقليدي، يُنظر إلى الامتحان كـ”أداة للحكم”، لكنه في جوهره يمكن أن يكون أداة للتأمل والتقدير الذاتي. فكما يُجري الرياضي اختبارات لياقة ليكتشف أين وصل، كذلك يمكن أن يرى الطالب في الامتحان مناسبة لتقدير نموه العقلي والوجداني.
يقول عالم النفس التربوي “روبرت مارزانو” (Marzano, 2006):
“التقييم الفعّال ليس لمحاسبة المتعلم، بل لمساعدته على تحسين أدائه، وفهم أين يقف من رحلة تعلمه” (ص. 13).
هذا التصور يجعل من الامتحان مرآة، لا سيفًا. وعندما تتحول الاختبارات إلى فرصة للتقدير، يصبح الطالب أكثر رغبة في خوضها، وأكثر ثقة في نتائجه.

الامتحان كتجربة نفسية متكاملة
الامتحان هو لحظة تتكامل فيها عدة قوى:

* المعرفة المكتسبة،
* الذاكرة التي تسترجع،
* المهارات العقلية التي تحلل وتقارن،
* والنضج الانفعالي الذي يضبط النفس في مواجهة الضغط.
وبالتالي، الامتحان ليس اختبارًا للمعلومات فحسب، بل تجربة شخصية كاملة.
تؤكد الباحثة “كارول دويك” (Dweck, 2006) في نظرية “العقلية النامية” أن:
“الطلاب الذين يرون في الامتحانات فرصة للنمو العقلي أكثر من رؤيتهم لها كحكم نهائي على ذكائهم، يكونون أكثر مرونة ونجاحًا على المدى البعيد.”
أي أننا عندما نُغيّر طريقة تفكيرنا في الامتحانات، يتغيّر أداؤنا فيها.
الامتحان هنا يصبح ساحة للنمو، وليس للعرض المسرحي.

  نقد النموذج التقليدي للتقييم
   نظام الامتحانات الحالي في معظم البلدان يعتمد على نموذج قياس ضيق للمعرفة، يركّز على الحفظ والاسترجاع، ويتجاهل مهارات التفكير العليا كالإبداع، والتأمل، والربط، وحل المشكلات.
يقول “كين روبنسون” (Robinson, 2015):
“نحن نقيس ما يمكن قياسه بسهولة، لا ما هو مهم حقًا.”
ومن هنا جاءت الحاجة إلى تطوير نماذج تقييم بديلة، مثل:
* التقويم التكويني (Formative Assessment)
* التقويم بالأداء (Performance-Based Assessment)
* محافظ التعلم (Portfolios)
* التقييم الذاتي (Self-assessment)
كل هذه النماذج تساهم في تحويل الامتحان إلى لحظة تعلم حقيقية، بدلاً من أن تكون مجرد وسيلة لترتيب الطلاب على سلم الدرجات.

الامتحان كاحتفال داخلي
دعونا نتخيل أن الامتحان يُقدَّم للطالب بطريقة جديدة:
* غرفة هادئة مزينة برسائل تحفيزية،
* كلمات افتتاحية تشيد بجهوده،
* أسئلة متنوعة تتيح له اختيار طريقة التعبير،
* مساحة للتفكير والتأمل، وليس فقط للإجابة السريعة،
* تعليق شخصي من المعلم بعد النتيجة يشيد بتطور الطالب ويشير إلى خطواته القادمة.
بهذا الشكل، يصبح الامتحان يومًا مميزًا. وكما يحتفل الموسيقي بحفله، والرسام بمعرضه، يمكن أن يحتفل الطالب بامتحانه، لأنه فرصة لتقديم أفضل ما لديه.
في هذا السياق، يشير الباحث “ديلان ويليام” (Wiliam, 2011):
“الطلاب الذين يشعرون أن التقييم يخصّهم ويخدمهم، يصبحون أكثر دافعية للتعلم وأكثر إيجابية تجاه التحدي.”

   نحو رؤية جديدة متفائلة للامتحانات
إنّ إعادة تخيّل الامتحانات يتطلب:
1. إعادة تعريف النجاح: ليس من يحصل على أعلى درجة هو الأفضل، بل من تطوّر فعليًا.
2. دمج الامتحانات في التعلم: بحيث تكون وسيلة لفهم الذات، لا للحكم عليها.
3. إشراك الطالب في التقييم: من خلال التقويم الذاتي والتغذية الراجعة، يشعر أنه يشارك في صياغة تعليمه.
4. خلق بيئة إنسانية: الامتحان لا يجب أن يكون لحظة عزل، بل فرصة اتصال بين المعلم والمتعلم.

  فلنحب الامتحانات لأننا نحب التعلم
    إذا نظرنا إلى الامتحان بعين مختلفة، سنكتشف أنه قد يكون من أكثر لحظات التعلم ثراءً. هو لحظة صادقة، نواجه فيها أنفسنا، ونرى إلى أي مدى تطورنا، ونخطط لما بعده. نعم، يمكن أن نخاف الامتحان، لكن لا بأس، فكل خطوة جادة في الحياة تصاحبها رهبة، وهذا جزء من جمالها.
فلنحوّل هذا الخوف إلى شغف، وهذه الرهبة إلى حماسة. ولنجعل من كل امتحان مناسبة داخلية للاحتفاء بالنفس، بالتقدم، وبالمعرفة.
وإن سألنا أحدهم يومًا: هل يمكن أن نحب الامتحانات؟
فلنُجب بثقة: نعم… لأننا نحب أن نكبر، أن نفهم، أن نتحدى أنفسنا… وننتصر.

المراجع

1. Dweck, C. S. (2006). Mindset: The New Psychology of Success. Random House.
2. Marzano, R. J. (2006). Classroom Assessment and Grading That Work. ASCD.
3. Robinson, K. (2015). Creative Schools: The Grassroots Revolution That’s Transforming Education. Viking.
4. Wiliam, D. (2011). Embedded Formative Assessment. Solution Tree Press.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى