بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي
الغش… من الورقة إلى الواي فاي
لم يكن الغش وليد هذا العصر، بل رافق الإنسان منذ أن وُجدت المنافسة والتقييم. ففي الصين القديمة، خلال عهد أسرة تانغ (618–907 م)، كان يتم تفتيش الطلبة عراة قبل دخولهم امتحانات الخدمة المدنية، خشية إخفاء أي قصاصات ورقية صغيرة في ملابسهم (Postiglione, 2009).
أما اليوم، فقد تطور الغش ليصبح رقميًّا، سريعًا، متخفيًا، ويستخدم أدوات لم تكن تخطر على بال الأنظمة التعليمية قبل عقد واحد فقط.
نحن أمام جيل جديد من الغش: “الغش الذكي” أو ما يُعرف بالغش الإلكتروني، الذي يُمارَس عبر سماعات لاسلكية، وساعات ذكية، وبرامج مشفرة، وكاميرات دقيقة مدمجة داخل الأقلام أو النظارات.
ورغم جهود وزارة التربية والتعليم في مصر، بالتعاون مع الجهات الأمنية، للسيطرة على هذه الظاهرة عبر وسائل تقنية وتشريعية، ما زالت الهواتف المحمولة تجد طريقها إلى داخل اللجان، متجاوزة كل الحواجز.
كيف تُهَرَّب الهواتف؟ وهل الأمن مقصّر؟
دعونا نكون واقعيين. لا يمكن تحميل أفراد الأمن والمراقبين كامل المسؤولية، فطرق التهريب أصبحت أكثر احترافية مما يمكن تصوره:
ملابس مدرسية مُعدّلة تحتوي على جيوب سرية.
أحذية تحتوي على وحدات بث.
سماعات لاسلكية تُزرع في الأذن ولا تُرى بالعين المجردة.
طلاب يتظاهرون بالمرض لإدخال جهاز داخل علبة دواء!
ورغم كل ذلك، لم تُرصد حالات تقصير متعمد من أفراد الأمن، بل معظمهم يقومون بعملهم تحت ضغط كبير وفي ظروف صعبة، ويواجهون جبهة مجهولة من حِيَل التكنولوجيا الحديثة.
لماذا يغش الطالب؟ سؤال أخلاقي قبل أن يكون تعليميًا
“الغش ليس دليلاً على ضعف التعليم فقط، بل على هشاشة منظومة القيم” (McCabe et al., 2012). الطالب لا يغش فقط لأنه يستطيع، بل لأنه يشعر أحيانًا أن النظام لا يُكافئ الجهد، أو أن من حوله ينجحون بالغش فلا ضرر من اللحاق بالركب. وهنا تظهر أزمة أكبر: هل نعلم أبناءنا كيف ينجحون… أم نعلمهم كيف يصبحون صادقين؟
في دراسة أجرتها جامعة ديوك، أشار الباحث دان أريلي إلى أن “أغلب من يمارس الغش لا يفعلونه بدافع الشر، بل لأنهم يقنعون أنفسهم أنه تصرف بسيط لا يؤذي أحدًا” (Ariely, 2012).
ما الحل؟
أزمة الغش ليست تعليمية فقط، بل مجتمعية وثقافية وأخلاقية. ولا يمكن حلها فقط بإجراءات رقابية، بل بتغييرات أعمق على المستوى التربوي والتقني والاجتماعي.
1. تطوير أدوات المراقبة:-
أجهزة تشويش على الإشارات داخل اللجان.
كاميرات ذكية بزاوية 360 درجة.
تقنيات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل سلوك الطالب أثناء الامتحان (مثل تتبع حركة العين واليد).
2. بناء وعي طلابي:-
تنظيم ورش قبل الامتحانات بعنوان “نجاحك من جهدك”.
عرض قصص حقيقية عن طلاب غشوا وواجهوا العواقب.
مكافأة الطلاب الملتزمين سلوكيًا وليس أكاديميًا فقط.
3. تمكين الأسرة كخط دفاع أول
حين يُشجّع الأب ابنه على “النجاة” بالغش، أو تتغاضى الأم عن هاتف في حقيبة ابنتها، تصبح الأسرة شريكة في الجريمة.
المجتمع لا يُبنى بالمراقبة فقط، بل بالقدوة، والقدوة تبدأ من البيت.
4. إصلاح منظومة التقييم
الانتقال من الحفظ إلى الفهم، ومن الامتحانات الورقية إلى المشاريع والأبحاث.
تصميم اختبارات تعتمد على التفكير النقدي لا على التلقين، مما يجعل الغش بلا فائدة.
الغش في ميزان العلم والتربية
تشير الدراسات إلى أن الطلاب الذين يغشون في الامتحانات هم أكثر عرضة لفقدان الثقة بالنفس لاحقًا، ويعانون من مشكلات أخلاقية في حياتهم المهنية (McCabe & Treviño, 1997). كما أن المجتمعات التي تسمح بالغش تحت مسمى “الذكاء” تنهار فيها العدالة، ويترسخ فيها شعور غامض أن النجاح لا يُقاس بالكفاءة، بل بالتحايل.
هاتف يغش… لكن لا يبني مستقبلًا
الغش الإلكتروني ليس مجرد حادث عابر، بل هو ناقوس خطر يدل على أن هناك ما يجب إصلاحه في ثقافة التعليم، وفي فهمنا للنجاح، وفي علاقتنا بالقيم. فالهاتف المحمول قد يهرّب الإجابات، لكنه لا يهرّب الكفاءة، ولا يخلق عقلًا مفكرًا، ولا يصنع إنسانًا حرًّا. ومن يغش اليوم في الامتحان، قد يغش غدًا في الوظيفة… فيُدمّر وطنًا بأكمله. فلنواجه الظاهرة، لا فقط بالرقابة، بل ببناء جيل يرى في النزاهة شرفًا، وفي الغش خيانةً.
المراجع:
1- Ariely, D. (2012). The (Honest) Truth About Dishonesty: How We Lie to Everyone—Especially Ourselves. Harper.
2- McCabe, D. L., & Treviño, L. K. (1997). Individual and contextual influences on academic dishonesty: A multicampus investigation. Research in Higher Education, 38(3), 379–396.
3- McCabe, D. L., Butterfield, K. D., & Treviño, L. K. (2012). Cheating in College: Why Students Do It and What Educators Can Do about It. JHU Press.
4- Postiglione, G. A. (2009). Education and Social Change in China: Inequality in a Market Economy. M.E. Sharpe.





