
بقلم المستشار القانوني محمد جاسم الذوادي
محكم استشاري ممارس
يشهد العالم في العقود الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في النزاعات التجارية والاستثمارية، بالتوازي مع تزايد الاعتماد على الوسائل البديلة لفض المنازعات، وفي مقدمتها التحكيم. ومن بين أبرز التطورات الحديثة في هذا المجال، برز نظام التحكيم الطارئ كآلية قانونية فعّالة تهدف إلى توفير حماية عاجلة ومؤقتة للحقوق، وذلك قبل تشكيل هيئة التحكيم المختصة بنظر النزاع، وهو ما يجد سنده – بشكل غير مباشر – في أحكام القانون النموذجي للتحكيم التجاري الدولي الصادر عن لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي (الأونسيترال).
ويعرف التحكيم الطارئ بأنه نظام إجرائي يتيح لأي طرف في نزاع تحكيمي اللجوء إلى تعيين “محكم طارئ” للنظر في طلباته العاجلة، كإصدار التدابير التحفظية أو الأوامر الوقتية، قبل تشكيل هيئة التحكيم.
وقد تبنّت العديد من المؤسسات التحكيمية الدولية هذا النظام، إدراكًا منها بأهمية الوقت في حماية الحقوق ومنع تفاقم الأضرار. وتكمن أهميته في سد الفراغ الزمني بين نشوء النزاع وتشكيل الهيئة المختصة بنظر النزاع، وهو ما قد يستغله أحد الأطراف للإضرار بالطرف الآخر، خاصة في البيئات غير مستقرة أو أثناء الأزمات.
وعلى الرغم من أن قانون الأونسيترال النموذجي للتحكيم التجاري الدولي (تعديل 2006) لم ينص صراحة على نظام “المحكم الطارئ”، إلا أنه وضع إطارًا قانونيًا متينًا للتدابير المؤقتة يمكن القياس عليه لتأصيل هذا النظام.
فقد أقرت المادة (17) من القانون النموذجي سلطة هيئة التحكيم في إصدار تدابير مؤقتة، وهي أي تدبير وقتي يصدر من قبل الهيئة في أي شكل، قبل إصدار القرار النهائي في النزاع، ويهدف إلى الحفاظ على الوضع القائم او إعادته لما كان عليه لحين الفصل في النزاع؛ أو منع وقوع ضرر أو الامتناع عن تصرف قد يسبب ضررًا؛ أو الحفاظ على الأصول التي يمكن أن تُنفذ عليها الأحكام؛ أو حفظ الأدلة الجوهرية ذات الصلة بالنزاع.
كما أقرت المادة (17/أ) الشروط الواجب توافرها لإصدار هذه التدابير، وعلى رأسها احتمال وقوع ضرر لا يمكن جبره بالتعويض؛ أو وجود احتمال أو فرصة معقولة لكسب الدعوى في الموضوع؛ أو موازنة المصالح بين الأطراف.
ومن جهة أخرى، جاءت المادة (17/ح) لتؤكد على الاعتراف بالتدابير المؤقتة، وإمكانية تنفيذها بموجب طلب يقدم إلى المحاكم الوطنية، وهو ما يشكل دعامة أساسية لتعزيز فعالية قرارات المحكم الطارئ، رغم عدم النص عليه صراحة في هذه القواعد.
وبذلك، فإن نظام التحكيم الطارئ يمكن أن يستند إلى هذه المبادئ، باعتبارها امتدادًا عمليًا لاختصاص المحكم بإصدار التدابير المؤقتة، في مرحلة سابقة على تشكيل هيئة التحكيم.
وفي الوقت ذاته، تُبرز الحروب والأزمات أهمية التدابير المؤقتة التي نظّمتها قواعد الأونسيترال، وتكشف عن تحديات عملية وقانونية تؤثر على تطبيق التحكيم الطارئ، من أبرزها تعاظم الحاجة للتدابير المؤقتة في ظل الحروب، حيث تتعرض الأصول لمخاطر محدقة، وتتعطل الالتزامات التعاقدية بفعل تداعيات الحروب والأزمات، مما يجعل اللجوء إلى التدابير المؤقتة – وفق المادة (17) – أمرًا ملحًا، ويعزز من دور المحكم الطارئ في حماية الحقوق بشكل عاجل.
وذلك بالإضافة إلى تحديات تنفيذ التدابير المؤقتة رغم نص المادة (17/ح) على إلزامية تنفيذ التدابير المؤقتة، إلا أن الواقع العملي في الدول المتأثرة بالأزمات قد يشهد ضعفًا في تنفيذ هذه التدابير، نتيجة اضطراب الأنظمة القضائية أو القيود السيادية في بعض الأحيان. فضلاً عن أن تطبيق نظريتي القوة القاهرة والظروف الطارئة قد تؤثر على الالتزامات بشكل مباشر، وتحد من تقدير تحقق شروط المادة (17/أ)، حيث يصبح عنصر “الضرر غير القابل للإصلاح” أكثر وضوحًا، كما تتعقد مسألة “ترجيح كفة أحد الأطراف” في ظل الظروف الاستثنائية التي تخرج عن الإرادة.
ومن هنا، تأتي أهمية تعزيز دور القضاء الوطني في تصدر المشهد في بعض الأحيان، حيث أكدت المادة (9) من القانون النموذجي على حق الأطراف في اللجوء إلى القضاء الوطني لطلب تدابير مؤقتة دون أن يعتبر ذلك مناقضاً لاتفاق التحكيم، وهو ما قد يخلق تكاملًا – وأحيانًا تنافسًا – بين القضاء الوطني والتحكيم الطارئ، خاصة في أوقات الأزمات.
ولذا يمكن النظر إلى التحكيم الطارئ باعتباره آلية إجرائية مكملة لنظام التدابير المؤقتة الوارد في قانون الأونسيترال، وليس خروجًا عنه. فهو يحقق ذات الغاية التي استهدفها المشرّع النموذجي، بتوفير حماية فعالة وسريعة للحقوق. كما أن الاعتراف الدولي المتزايد بقرارات المحكم الطارئ يعكس اتجاهًا نحو توسيع نطاق تطبيق مبادئ الأونسيترال، بما يتلاءم مع متطلبات التجارة الدولية الحديثة.
ورغم هذه التحديات، أثبت التحكيم الطارئ قدرته على التكيف مع الظروف الاستثنائية، لا سيما مع تطور التكنولوجيا واعتماد الجلسات الافتراضية. ومن المتوقع أن يزداد الاعتماد عليه في المستقبل، خاصة في ظل استمرار التقلبات الجيوسياسية والاقتصادية. حيث إن التحكيم الطارئ يمثل تطورًا نوعيًا في منظومة العدالة الخاصة، ويعكس استجابة عملية لحاجة ملحّة في عالم سريع التغير. ومع تصاعد الحروب والأزمات، تزداد أهمية هذا النظام، ليس كوسيلة قانونية فقط، بل كآلية لتحقيق التوازن بين حماية الحقوق واستمرار العلاقات التعاقدية في أصعب الظروف.
ختاماً، يتبين أن التحكيم الطارئ، وإن لم يُنظم صراحة في قانون الأونسيترال النموذجي، إلا أنه يجد أساسه في فلسفة هذا القانون، خاصة فيما يتعلق بالتدابير المؤقتة وفعاليتها. وتبرز الحاجة إلى تفعيل هذه الآليات بشكل أكبر فاعلية، مع تعزيز التعاون بين القضاء الوطني وهيئات التحكيم لضمان التنفيذ الفعّال.
وفي عالم تتسارع فيه الأزمات، لم يعد التحكيم الطارئ خيارًا إجرائيًا، بل ضرورة قانونية لا تحتمل التأجيل. ويبقى تطوير الأطر التشريعية الوطنية في بعض الدول، بما يتوافق مع مبادئ الأونسيترال، ضرورة ملحّة لتعزيز مكانة التحكيم الطارئ كأداة قانونية فعالة قادرة على مواجهة التحديات المعاصرة، وتحقيق العدالة الناجزة في بيئة دولية مضطربة.





