بقلم الدكتور ناصر الجندي
في مصر، لا تمر الأيام كما تمر في أي مكان آخر… فهنا، حتى الحزن له طعم مختلف، وحتى الألم يتحول إلى حكاية تُروى بحب.
مع بداية أحد الشعانين، تبدأ القصة… ليس مجرد طقس ديني، بل مشهد إنساني عظيم. أغصان خضراء، ووجوه يملؤها الفرح، وهتافات تستقبل يسوع المسيح ملكًا في القدس.
لكن… من كان يظن أن هذا الفرح سيذوب سريعًا ليترك مكانه لواحد من أعظم مشاهد الألم في التاريخ؟
هنا تبدأ الدراما الحقيقية…
أسبوع الآلام ليس مجرد أيام متتابعة، بل رحلة داخل النفس البشرية. كل يوم فيه يحمل وجعًا مختلفًا، وتأملًا أعمق. من العشاء الأخير، حيث اختلط الحب بالوداع، إلى لحظات الخيانة، ثم المحاكمة التي هزّت الضمير الإنساني… حتى نصل إلى اللحظة الأشد تأثيرًا، والأكثر رهبة: الجمعة العظيمة.
في هذه المناسبة، يستحضر المسيحيون ذكرى صلب السيد المسيح، ذلك الحدث الذي يمثل قمة الألم الإنساني في العقيدة المسيحية. إنها ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل لحظة تأمل عميقة في معنى التضحية، والفداء، والحب غير المشروط. في الكنائس، يسود الصمت، وتطول الصلوات، وتنساب الدموع دون خجل… كأن الزمن يتوقف احترامًا لتلك اللحظة الفارقة، التي غيّرت وجه التاريخ والوجدان.
في الكنائس المصرية، تتحول الأجواء إلى عالم آخر… ألحان حزينة تخترق القلب، وصلوات تُهمس بها الأرواح قبل الشفاه. حتى من لا يفهم الكلمات… يشعر بها. كأن الحزن هنا لغة مشتركة بين البشر.
لكن روعة هذه القصة لا تكمن في الألم فقط… بل في ما بعده.
فحين يظن الجميع أن النهاية قد كُتبت، يأتي النور فجأة مع عيد القيامة… وكأن الحياة تقول كلمتها الأخيرة: “أنا هنا… ولن أنهزم.”
وهنا… تحديدًا، تظهر مصر.
في هذا البلد، لا يعيش الناس جنبًا إلى جنب فقط… بل يعيشون في قلب واحد. في أسبوع الآلام، قد لا يدخل المسلم الكنيسة، لكنه يشعر بما فيها. وقد لا يردد الترانيم، لكنه يشارك الإحساس. وقد لا يصوم الصوم الكبير، لكنه يحترم قدسيته كأنه جزء منه.
هذه ليست مجاملات… هذه طبيعة المصريين.
في شوارع القاهرة والإسكندرية والصعيد، تمتد الأيادي بالتهنئة قبل العيد، وتُفتح القلوب قبل البيوت. لا أحد يسأل: “من أي دين أنت؟” بل يسأل: “هل أنت بخير؟”
هكذا هي مصر…
وطن لا يعرف التقسيم حين يتعلق الأمر بالمشاعر.
وطن يثبت كل عام أن الإنسانية أقوى من أي اختلاف.
أسبوع الآلام، في عمقه، ليس فقط قصة دينية تخص المسيحيين… بل مرآة نرى فيها أنفسنا جميعًا.
نرى فيها الألم الذي نمر به، والصبر الذي نحاول التمسك به، والأمل الذي نبحث عنه مهما طال الطريق.
ولهذا… حين يأتي العيد، لا يفرح به المسيحي وحده، بل تفرح معه مصر كلها.
لأن الحقيقة التي لا تحتاج إلى تفسير هي: أن أعياد المسيحيين في مصر… ليست مجرد أعياد دينية، بل هي لحظات وطنية خالصة، يتجدد فيها معنى أننا — رغم كل شيء — شعب واحد… وقلب واحد.
#أحد_الشعانين
#البوابة_اليوم





