في البدء كانت المفاجأة:
تخيل معي للحظة.. أنك تعيش في زمن يئس فيه الجميع. الأصدقاء تفرقوا. الأحلام تحطمت. والشخص الذي كنت تظنه خلاص العالم.. رحل!
هذا بالضبط ما شعر به تلاميذ المسيح قبل ألفي عام. حزن يخيم على البيوت. خوف يرسم على الوجوه. ويأس يزحف إلى القلوب.
ثم.. فجأة!
الخبر يزلزل المكان: “إنه حي!”
لا، لم يكن حلماً. ولم تكن أسطورة. كان شيئاً آخر مختلفاً تماماً: انتصار الحياة على الموت في لحظة لم يتوقعها أحد.
لماذا هذا العيد يهمني وأنا مسلم؟
سؤال رائع وجريء. دعني أحك لك الإجابة من ثلاث زوايا:
أولاً: عيسى ابن مريم عليه السلام هو نبي الله وكلمته التي ألقاها إلى مريم. في القرآن يُذكر اسمه 25 مرة، وتُسمى سورة كاملة باسم “مريم” تحكي قصته. نحن نحبه ونؤمن بنبوته، وهذا العيد يذكرنا بقربه من الله.
ثانياً: القيامة في مفهومها العام موجودة في ديننا. البعث بعد الموت. النهضة بعد السقوط. الأمل بعد اليأس. هذا الإيقاع الكوني يتردد في كل نفس: الليل يتبعه النهار، الشتاء يسبق الربيع، والقبر ليس نهاية الطريق.
ثالثاً: أجمل ما في العيد ليس الشعائر وحدها، بل الفرح المشترك. الفرح الذي يفتح النوافذ، ويكسر الجدران، ويذكرنا أن البشر رغم اختلاف طرقهم، يتجهون نحو نفس الأمل: أن الغد قد يكون أجمل.
قصة صغيرة من وحي المناسبة
في أحد الأحياء، كان يسكن جاران: أحمد سمير، وبيتر حنا. كل منهما يحتفل بعيده في موسم مختلف. لكن في أحد الأعياد، حدث شيء جميل.
يوم عيد القيامة، فوجئ بيتر بطبق كحك بالعجوة على بابه، مكتوب عليه: “كل سنة وأنت طيب. فرحتكم فرحتنا.”
وبعد أسابيع، في عيد الفطر، وجد أحمد قرباناً من البسكويت والتمر مهدى من بيتر، وكُتب عليه: “كل عام ونحن معاً بخير.”
لم يغير ذلك عقيدة أي منهما، لكنه غيّر شيئاً أهم: كيف ينظر كل منهما إلى الآخر.
القصة حقيقية بروحها، إن لم تكن بحروفها. وهي تذكرنا أن الأديان هبطت من السماء لتعلمنا الحب، لا لتصنع بيننا جدراناً.

رسالة من القلب إلى القلب
إلى أخي المسيحي الذي يقرأ هذه الكلمات:
عيد قيامتك ليس مجرد بيض ملون وأرانب شوكولاتة. أعلم ذلك. إنه ذكرى أن الضوء قادر أن يخرج من القبر، وأن الصمت يمكن أن يتحول ترنيمة، وأن أكثر اللحظات ظلمة قد تكون بوابة النور.
نحن كمسلمين لا نشاركك في تفاصيل العقيدة حول الصلب والقيامة كما تراها، لكننا نشاركك في التساؤل الكبير الذي يقف خلف كل عيد: هل الموت هو النهاية؟ أم أن هناك قيامة تنتظرنا جميعاً؟
ديننا يقول: “ثم إن عليكم للبعث” (سورة المؤمنون، 16). وأنت تقول: “المسيح قام”. نحن نختلف في التفاصيل، لكن السؤال المشترك يبقى: هناك شيء بعد الموت، وهذا يغير كل شيء.
ماذا نتمنى لهم في هذا العيد؟
ليس من باب المجاملة، بل من باب الإخاء الإنساني الأصيل:
🔹 نتمنى لهم قلوباً تفرح بصدق، لأن الفرح النقي عبادة.
🔹 نتمنى لهم بيوتاً عامرة بالدفء والحنان، لأن العائلة مقدسة في كل الأديان.
🔹 نتمنى لهم مجتمعات تسع الجميع دون تفرقة، لأن الأرض ضيقة على المتعصبين، ورحبة على المحبين.
🔹 نتمنى لهم أن يروا في هذا العيد تجديداً للروح، وقوة للعزيمة، ونوراً يضيء الطريق في الأيام الصعبة.
كلمة أخيرة لا تنسى
لطالما تأملت في قول الله تعالى: “لَا فَرْقَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ” (آل عمران). نعم، هناك خلافات عقائدية، لا ننكرها ولا نجملها. لكن في الأعياد تحديداً، تتضاءل الخلافات وتكبر المناسبة الإنسانية: أن إنساناً يفرح فهذا جميل، وأن نشاركه فرحه فهذا أجمل.
عيد القيامة ليس عيد المسيحيين وحدهم. إنه عيد كل من يؤمن أن النهار يأتي بعد الليل، وأن الغصن اليابس قد يورق مجدداً، وأن القلوب المكسورة قادرة على النهوض.
كل عام وإخواننا المسيحيون في كل مكان بخير.
وعيد قيامة مليء بالنور والأمل والسلام.




