مقال

لا تحزن… كلنا مقصرون

بقلم: محمد جاسم الذوادي 

   في زحمة الحياة وتسارع أيامها، قد يُثقل القلب شعورٌ بالتقصير، وتراود النفس لحظاتٌ من الندم والحزن على ما فات من طاعات أو ما وقع من أخطاء. لكن الحقيقة التي ينبغي أن نستحضرها دائمًا أن هذا الشعور، رغم قسوته، هو علامة خير، وحياةٌ في القلب، ودليل على وجود ضمير يقظ يبحث عن طريق الحق.

    لا أحد منا كامل، فالكمال لله وحده، والتقصير طبيعة بشرية، والخطأ جزء من تكوين الإنسان. فلم يُخلق البشر ملائكة معصومين، بل خُلقوا ليجتهدوا، ويخطئوا، ثم يعودوا. ولهذا جاء المعنى العظيم: خير الخطّائين التوابون. فالقيمة الحقيقية لا تكمن في عدم الوقوع في الخطأ، بل في القدرة على النهوض بعده، والرجوع إلى الطريق الصحيح.

   كما أن بث الأمل في النفوس واجب، خصوصًا في زمن تكثر فيه المغريات وتُرهق النفس بالضغوط والتحديات. فكم من إنسان ظن أن كثرة تقصيره قد أبعدته، وأن الطريق إلى العودة قد أُغلق في وجهه، بينما الحقيقة عكس ذلك تمامًا. فالله عز وجل يحب العبد حين يطرق بابه راجعاً، تائبًا، خاشعًا، منكسرًا، طالبًا العفو والمغفرة. بل إن لحظة الصدق في التوبة قد ترفع الإنسان درجات لا يبلغها بعمله وحده.

  ولابد أن ندرك أن تعزيز الوازع الديني لا يكون بالتخويف وحده، بل بالموازنة بين الخوف والرجاء. فكما نخاف من التقصير، يجب أن نرجو رحمة الله التي وسعت كل شيء. هذه الرحمة التي تحتضن العائدين، وتفرح بتوبتهم، وتفتح لهم أبوابًا جديدة من النور والطمأنينة.

  لقد خلقنا الله لنعبده، نعم، لكنه أيضًا جعل الرجوع إليه جزءًا من هذه العبادة. فكل عودة بعد غفلة، وكل استغفار بعد زلة، هو في حد ذاته عبادة عظيمة تقرّبنا إليه. فلا تجعل من تقصيرك سببًا لليأس والقنوط، بل اجعله دافعًا لبداية جديدة يملؤها الأمل والتفاؤل.

   لا تحزن… فكلنا مقصرون، لكن الفارق الحقيقي هو من يظل غارقًا في شعور العجز والندم، ومن يحوّل هذا الشعور إلى خطوة جادة نحو التغيير. ابدأ ولو بخطوة صغيرة، بكلمة استغفار، بنية صادقة، بدعاء خفي. فرُب خطوة صادقة تغيّر مسار حياة كاملة. فكم من قلبٍ أرهقته الذنوب، حتى ظن أن الطريق قد أُغلق، فإذا بدمعة صادقة تعيده إلى النور من جديد.

  وفي النهاية، تذكّر أن الطريق إلى الله لا يُقاس بسرعة الوصول، بقدر ما يقاس بصدق المسير. فامضِ بثبات مطمئنًا، واملأ قلبك بالأمل والرجاء، فباب الرحمة لا يُغلق، ومن قصد الله وجد الطريق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى