مقال

أصل الحكاية حدوتة.. كيف نبني بالقصة عقلاً للطفل لا يخشى الحياة؟

بقلم: أحمد المطعني

في ركنٍ هادئ من البيت، جلس “عمر” الصغير، ذو السنوات الست، يحاول بناء برجٍ شاهقٍ من المكعبات الملونة.

 كان يضع المكعب فوق الآخر بحذرٍ شديد، وعيناه تلمعان بتركيزٍ عميق، وفجأة، وبينما هو يضع المكعب الأخير، انهار البرج كله وتناثرت المكعبات على الأرض ،

ساد الصمت لحظة، ثم انطلق عمر في نوبة بكاءٍ محبطة ، في هذه اللحظة الفارقة، يتحدد مسارٌ تعليميٌ كامل.

 الجسر: من المكعبات إلى بناء العقول ،،

ما حدث مع عمر ليس مجرد “لعب أطفال”؛ إنه يمثل الجوهر الحقيقي للتعلم. 

إن رد فعل البالغين حول عمر في هذه اللحظة هو الذي سيصوغ رؤيته للفشل، والمحاولة، والنجاح.

إذا سارعنا لترتيب المكعبات بدلاً منه، فإننا نعلمه الاعتمادية.

وإذا تجاهلنا محاولته، فإننا نقتل فيه شغف الاستكشاف.

 إن “أصل الحكاية” في تعليم الأطفال هو أنها “حدوتة” مستمرة؛ قصة يكتبها الأهل والمدرسة معاً، بطلها الطفل، ومحركها الفضول.

 أولاً: دور الأهل (بيت الحكايات الأول)

الأهل هم الرواة الأوائل في حياة الطفل، والمنزل هو المسرح الأول الذي تشهد خشباته أولى تجاربه. 

عندما يسألك طفلك “لماذا تغيب الشمس؟”، إنه لا يبحث عن معادلة فلكية جافة، بل يبحث عن قصة، عن مغامرة تدور في الفضاء.

دور الأهل يتلخص في:

تحويل اليوميات إلى “حواديت”:جعل المهام البسيطة، مثل ترتيب الغرفة، جزءاً من قصة بطل يحمي كوكبه الصغير.

 إعطاء قيمة لخيال الطفل:بمشاركته القصة وسؤاله “وماذا حدث بعد ذلك؟” لتنمية مهاراته الذهنية.

التعليم بالقدوة: عندما يرى الطفل والديه يواجهان المشكلات بحلول إبداعية بدلاً من الغضب.

 ثانياً: معلم رياض الأطفال.. 

حجر الأساس لمستقبل الوطن ، وهنا يجب أن نتوقف عند حلقة الوصل الأخطر والأهم في هذه السلسلة. إنني أؤكد على ضرورة أن تضع وزارة التربية والتعليم “معلم رياض الأطفال” في صدارة أولوياتها؛ فهو حجر الأساس لمشروع شباب مصر الجديدة للتنمية.

لا يمكننا بناء عقول مبدعة دون معلم على كفاءة عالية، يمتلك الأدوات التربوية والنفسية لتحويل “الحدوتة” إلى منهج حياة.

 هذا المعلم هو الذي يستقبل “عمر” بعد خروجه من بيته، ومهمته ألا يكسر مكعبات خياله، بل يمنحه القواعد العلمية ليبنيها بشكل أقوى. الاستثمار في كفاءة هذا المعلم هو استثمار مباشر في أمن مصر الفكري والتنموي.

 ثالثاً: دور المدرسة (المسرح الكبير)

المدرسة لا يجب أن تكون “مصنعاً” لحشو المعلومات، بل “مختبراً” لاستكشاف القدرات. المدرسة الحقيقية هي التي:

 تتبنى “التعلم باللعب والقصة”:تحويل الرياضيات والعلوم إلى ألغاز وقصص تشويقية.

تشجع الفضول: بطرح أسئلة تحفز الطفل على البحث عن “الكنز” (المعلومة) بنفسه.

 توفر بيئة آمنة للخطأ: ليتعلم الطفل أن انهيار البرج هو مجرد خطوة تسبق بناء برج أعلى وأمتن.

في النهاية، عندما يتحد الأهل والمدرسة في صياغة “حدوتة” تعليمية واحدة، قوامها الاحترام والفضول والتشجيع، سنحصل على جيلٍ لا يخشى الحياة، بل يقبل عليها بعقلٍ مبدع وقلبٍ شجاع. 

إنسان يعرف أن الفشل مجرد فقرة في قصة طويلة، وأن النجاح هو القدرة على الاستمرار في كتابة الفصول.

لأن في النهاية، كل شيء في حياة الطفل يبدأ وينتهي بحكاية.. ومهمتنا هي أن نجعل حكايتهم مليئة بالشغف والمعرفة.

#تفتكروا.. إيه هي أكتر “حدوتة” أثرت فيكم وأنتم أطفال وغيرت نظرتكم للتعلم؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى