ناجح مصطفى النجار يكتب: بعد فنزويلا.. جرينلاند بين الطموح الأمريكي والسيادة الدنماركية.. هل تتحول إلى ساحة صراع قطبي؟

الحديث عن “استيلاء ترامب على جرينلاند” يعكس جدلًا سياسيًا واستراتيجيًا أكثر منه خطة واقعية، إذ يرى البعض أن اهتمامه بالجزيرة ينبع من أهميتها الجيوسياسية والاقتصادية، بينما يصف آخرون الفكرة بأنها أقرب إلى خطاب دعائي أو ضغط سياسي على الدنمارك وحلف الناتو.
جرينلاند لم تعد مجرد جزيرة نائية مغطاة بالجليد، بل تحولت إلى مسرح محتمل لصراع قطبي تتقاطع فيه مصالح الولايات المتحدة والدنمارك، وتنعكس عليه حسابات القوى الكبرى في القطب الشمالي. وهو ما يفتح الباب أمام التنافس والطموح الأمريكي المتزايد والسيادة الدنماركية الراسخة، في ظل بيئة جيوسياسية تتغير بسرعة بفعل المناخ والاقتصاد والأمن الدولي.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعاد إحياء فكرة امتلاك أو السيطرة على جرينلاند، وهي أكبر جزيرة في العالم وتتبع سيادة الدنمارك مع حكم ذاتي واسع.
في تصريحات وتقارير صحفية، أشار إلى أن الجزيرة تمثل أولوية للأمن القومي الأمريكي، خصوصا في ظل التنافس الدولي على القطب الشمالي.
ووفق صحيفة Politico، فإن ترامب يرى أن غزوها قد يتم في نصف ساعة، وهو تعبير يرمز إلى هشاشة الدفاعات مقارنة بالقوة الأمريكية، لكنه أقرب إلى تصعيد إعلامي منه إلى خطة عسكرية فعلية.
لماذا الاهتمام الأمريكي بجرينلاند؟
هناك عدة أسباب جوهرية وراء رغبة ترامب في احتلال جزيرة جرينلاند، وهى:
الثروات الطبيعة: تمتلك جرينلاند تمتلك واحدة من أكبر احتياطيات المعادن النادرة والموارد الطبيعية غير المستغلة في العالم، مثل الليثيوم والكوبالت واليورانيوم، إضافة إلى النفط والغاز ومصايد الأسماك. ومع ذوبان الجليد بفعل التغير المناخي جعل الوصول إلى هذه الثروات أسهل، ما حول الجزيرة إلى ساحة تنافس دولي بين الولايات المتحدة والصين وروسيا.
أولا.. الموقع الاستراتيجي: الجزيرة تقع بين أمريكا وأوروبا، وتشكل نقطة ارتكاز في القطب الشمالي، حيث تتزايد المنافسة بين الولايات المتحدة وروسيا والصين.
ثانيا.. الموارد الطبيعية: إن جرينلاند غنية بالمعادن النادرة والموارد الطبيعية التي تعد أساسية للتكنولوجيا الحديثة.
الأمن البحري والعسكري: وجود قواعد أمريكية بالفعل مثل قاعدة “ثول” الجوية يعزز الرغبة في توسيع النفوذ العسكري.
الردع الاستراتيجي: ترامب يرى أن السيطرة أو النفوذ على جرينلاند يحد من قدرة الخصوم على التمدد في القطب الشمالي.
في المقابل. فقد رفضتا الدنمارك وغرينلاند، بشكل قاطع أي حديث عن بيع أو ضم الجزيرة، وأكدتا أن “جرينلاند ملك لشعبها، ومن جهته، فقد اعتبرا الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، أن أي محاولة للاستيلاء على جرينلاند بالقوة تمثل انتهاكًا لميثاق الناتو وتهديدًا للاستقرار الأوروبي.
ومع ذلك نقول إن ما ورد في صحيفة بوليتكو الأمريكية في عنوانها: “يمكنه غزوها في نصف ساعة” يعكس مبالغة إعلامية تهدف إلى إثارة النقاش حول طموحات ترامب التوسعية.
كما أن الفكرة في حد ذاتها تكشف عن تصاعد التنافس الدولي في القطب الشمالي، حيث تتقاطع مصالح الطاقة والأمن والملاحة.
إن الحديث عن استيلاء ترامب على جرينلاند ليس خطة عسكرية واقعية بقدر ما هو رمز لرغبة واشنطن في تعزيز نفوذها في القطب الشمالي، وممارسة ضغط سياسي على الدنمارك وحلفائها، حيث إن الأسباب تتراوح بين الموارد الطبيعية، الموقع الاستراتيجي، والأمن القومي الأميركي، بينما الردود الدولية تؤكد أن أي خطوة من هذا النوع ستُعتبر تهديداً للاستقرار الأوروبي والأطلسي.
الخلاصة.. لقد شكلت ثروات الدول الضعيفة مطمعًا للقوى الكبرى بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التي لا تحترم أى قوانين بل تتعامل مع باقي الدولة بلغة القوة، سواء عبر الاستعمار المباشر أو عبر أدوات النفوذ الاقتصادي والسياسي والعسكري. ومع تغير شكل النظام الدولي، لم تتغير جوهر المطامع، بل اتخذت أشكالا أخرى أكثر تعقيدًا ترتبط بالموارد الطبيعية، الأسواق، والممرات الاستراتيجية، وهو ما قد يحول العالم إلى أشبه بالغابة التي لا تحكه أى قوانين بل القوة والبطش العسكري الذي يُرسخ له في عهد ترامب.


