مقالالرئيسية

التعليم الفني.. قاطرة الإنتاج وحصن أمننا القومي

بقلم: دكتور – درويش جمال درويش

الخبير في اقتصاديات التعليم الفني عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والاحصاء والتشريع 

  يُعرف التعليم الفني بأنه الرافد التعليمي الاستراتيجي المعني بإعداد وتأهيل الكوادر البشرية وتزويدهم بالمهارات التطبيقية لتشغيل قطاع الإنتاج والخدمات. وليس مجرد مسار تعليمي بديل، بل هو العمود الفقري لنهضة الدولة المصرية؛ حيث يمثل المحرك الفعلي لخفض معدلات البطالة وتلبية احتياجات الدولة من العمالة الماهرة لتحسين جودة المنتج المحلي. ويعد معياراً لتنافسية الدولة وجاذبيتها للاستثمارات الأجنبية، وقاعدة لفتح أسواق العمل الدولية أمام خريجى التعليم الفنى بجدارات الثورة الصناعية الرابعة.

  ولن يتحقق أمننا القومي المصري بمفهومه الشامل إلا إذا امتلكنا مفاتيح قوتنا: (غذاؤنا – إنتاجنا – سلاحنا)؛ فالسيادة الوطنية الحقيقية تبدأ من “حبة القمح” التي نزرعها، و”الماكينة” التي نصنعها، و”السلاح” الذي يحمي مقدراتنا بأيدٍ مصرية. عندما نأكل مما نزرع، ونلبس مما نصنع، نتحرر من قيود التبعية ونملك قرارنا الوطني كاملاً أمام العالم.

  إننا اليوم لا نحتاج إلى مجرد عمالة فنيه، بل إلى “التقني الماهر”؛ ذلك الجندي الاقتصادي الذي يعد حجر الزاوية في بناء اقتصادنا الوطني. ورغم اعتزازنا بنموذج “مدارس التكنولوجيا التطبيقية” الذي بدأ يسطع كجزر تميز مضيئة، إلا أن الأمانة العلمية تفرض علينا الاعتراف بأننا أمام تحدٍ هائل؛ فلدينا أكثر من 2500 مدرسة فنية تقليدية لا تزال تعيش في “عزلة تكنولوجية”، حيث المناهج في وادٍ ومتطلبات الثورة الصناعية في وادٍ آخر، والورش غارقة في آلات متهالكة من القرن الماضي، مما يحول الخريج إلى “عبء” يحتاج لإعادة تأهيل، بدلاً من أن يكون “قيمة مضافة” فور تخرجه.

  إن الحديث عن تطوير التعليم الفني سيظل “كلاماً مرسلاً” ما لم نضع آلية واضحة لتوفير التمويل اللازم لتحديث هذه المنظومة الضخمة. إن الحل الجوهري يكمن في تبني “منظومة الحوافز الضريبية الشاملة”؛ بحيث تُمنح الشركات والمصانع الكبرى والمتوسطة إعفاءات ضريبية مجزية ومقاصة مباشرة مقابل تحملها تكاليف “تجهيز المدارس الفنية” بأحدث تكنولوجيات العصر مثل ماكينات الـ (CNC) (Computer Numerical Control)، بدلاً من استنزاف السيولة في ضرائب جافة أو اللجوء لحيل التهرب الضريبي، يبرز الاستثمار التبادلي كبديل استراتيجي؛ حيث تُحول الإعفاءات الجمركية الشاملة للمعدات التعليمية المدارسَ من “متاحف للآلات القديمة” إلى وحدات إنتاجية متطورة.

هذا التحول يفرض بالتبعية استبدال ثقافة “الحفظ والتلقين” بـ “قياس الجدارة والابتكار”، ما يضمن للقطاع الخاص عمالة فنية مدربة وفق أحدث المعايير. بذلك، يتحول كل قرش مستقطع من الضريبة إلى استثمار حي يضخ الدماء في عروق الاقتصاد القومي، ويحمي قيمة الجنيه بزيادة الإنتاج؛ فالفني الذي يقتصر تدريبه على “المبرد والشاكوش” لن يجد له موطئ قدم في مصانع المستقبل الذكية.

  إن هذه الرؤية ليست مجرد ترفٍ فني، بل هي معركة وجودية لاسترداد كامل سيادتنا الاقتصادية؛ فالوطن الذي لا يملك تطوير سواعد أبنائه، سيظل رهيناً لما وراء حدوده. إن تطبيق “الحوافز الضريبية الشاملة” هو المفتاح لفتح أبواب المصانع أمام الشباب، وتحويل كل مدرسة فنية إلى “قلعة إنتاج” تسد ثغرات الاستيراد وتوقف استنزاف العملة الصعبة. حينها فقط، سيتحول شعار “صُنع في مصر” من ملصق على المنتجات إلى عنوان للفخر والكرامة، وتصبح سواعد الفنيين هي الضمانة الأقوى لاستقرارنا في وجه التحديات والتهديدات العالمية. إننا لا نبني مدارس، بل نشيد حصوناً لأمننا القومي، مؤمنين بأن اليد التي تنتج هي وحدها اليد التي تملك قرارها.

  “حفظ الله مصر؛ سواعداً تبني، وعقولاً تبتكر، وشعباً يدرك أن العمل المتقن هو طوق النجاة الوحيد.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى