د. أحمد محمد عبد الوهاب يكتب اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه… بين الفهم الخاطئ والتعامل الصحيح

في كثير من البيوت والفصول الدراسية يتكرر وصف بعض الأطفال بأنهم “مشاغبون”، أو “لا يستطيعون الجلوس في مكانهم”، أو “لا يركزون في أي شيء”. وقد تبدو هذه الأوصاف عادية، لكنها أحيانًا تخفي وراءها اضطرابًا نمائيًا عصبيًا معروفًا باسم *اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)*، وهو من أكثر الاضطرابات شيوعًا في مرحلة الطفولة، وأكثرها تعرضًا لسوء الفهم.
فما يزال البعض يعتقد أن الطفل المصاب بهذا الاضطراب يعاني من سوء التربية، أو أنه يتعمد إزعاج الآخرين، أو أن المشكلة ستختفي تلقائيًا مع التقدم في العمر. بينما تؤكد الأدلة العلمية أن اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه حالة نمائية تؤثر في الانتباه، وضبط الاندفاع، وتنظيم السلوك، وتتطلب تقييمًا مهنيًا وخطة دعم متكاملة.
ويتميز هذا الاضطراب بثلاثة أنماط رئيسية؛ فقد يغلب عليه تشتت الانتباه، أو فرط الحركة والاندفاع، أو يجمع بينهما معًا. ويظهر ذلك في صورة صعوبة في التركيز، أو نسيان متكرر، أو الانتقال السريع بين الأنشطة دون إكمالها، أو كثرة الحركة، أو مقاطعة الآخرين، أو التسرع في الإجابة قبل اكتمال السؤال.
لكن من المهم التأكيد على أن كل طفل كثير الحركة ليس مصابًا باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه. فالتشخيص لا يعتمد على عرض واحد، وإنما على تقييم شامل يجريه مختصون، مع مراعاة عمر الطفل، واستمرار الأعراض، وتأثيرها في حياته داخل المنزل والمدرسة، واستبعاد الأسباب الأخرى التي قد تؤدي إلى سلوك مشابه.
ومن أكثر الأخطاء التي تقع فيها بعض الأسر مقارنة الطفل بإخوته أو زملائه، أو استخدام العقاب المستمر لإجباره على الهدوء. فالطفل لا يحتاج إلى مزيد من اللوم، بل يحتاج إلى من يفهم طبيعة التحديات التي يواجهها، ويساعده على تطوير مهاراته في بيئة داعمة.
وتلعب الأسرة دورًا محوريًا في نجاح خطة الدعم، من خلال تنظيم الروتين اليومي، وتقسيم المهام إلى خطوات صغيرة، وتقديم التعليمات بوضوح، وتعزيز السلوك الإيجابي فور حدوثه، والابتعاد عن كثرة الأوامر في وقت واحد. كما أن الثناء على الجهد المبذول، وليس على النتيجة فقط، يسهم في رفع دافعية الطفل وثقته بنفسه.
أما المدرسة، فهي شريك أساسي في رحلة الدعم. فتهيئة البيئة الصفية، وتقليل المشتتات، وإتاحة فترات راحة قصيرة، واستخدام أساليب تعليم متنوعة، وتقديم تغذية راجعة إيجابية، كلها إجراءات تساعد الطفل على التعلم بصورة أفضل، وتقلل من شعوره بالإحباط.
ولا ينبغي أن ننظر إلى هذا الاضطراب من زاوية التحديات فقط، فالكثير من الأطفال المصابين به يمتلكون طاقات إبداعية كبيرة، وقدرات على الابتكار، وحماسًا للتعلم عندما يجدون البيئة المناسبة التي تستثمر نقاط قوتهم، بدلًا من التركيز المستمر على جوانب الضعف.
وفي بعض الحالات، قد يوصي الفريق الطبي بخطة علاجية تشمل التدريب السلوكي، والدعم النفسي والتربوي، وقد تتضمن العلاج الدوائي عندما يكون مناسبًا ووفق تقييم متخصص. والقرار العلاجي يجب أن يكون مبنيًا على احتياجات الطفل الفردية، وبالتعاون بين الأسرة والفريق المعالج.
كما ينبغي أن نحذر من المعلومات غير الدقيقة المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تقدم تشخيصات أو علاجات دون أساس علمي. فحق الطفل أن يحصل على تقييم يعتمد على الأدلة العلمية، وأن يتلقى تدخلات أثبتت فعاليتها، بعيدًا عن الوعود غير الواقعية.
إن الطفل المصاب باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه لا يحتاج إلى الشفقة، ولا إلى الوصم، بل يحتاج إلى الفهم، والصبر، والفرصة. وعندما تتكامل جهود الأسرة، والمدرسة، والمختصين، يصبح قادرًا على النجاح، وتحقيق إمكاناته، والمشاركة الفاعلة في مجتمعه.
وفى الختام
قد يرى البعض طفلًا كثير الحركة، لكن المختص يرى طفلًا يحتاج إلى من يفهمه. وبين النظرتين فرق قد يغير مستقبل إنسان بأكمله. فلنستبدل الأحكام المسبقة بالعلم، واللوم بالدعم، والعقاب بالتوجيه، لأن كل طفل يستحق فرصة عادلة ليظهر أفضل ما لديه.
# المراجع (APA 7)
American Academy of Pediatrics. (2019). *Clinical Practice Guideline for the Diagnosis, Evaluation, and Treatment of Attention-Deficit/Hyperactivity Disorder in Children and Adolescents*.
American Psychiatric Association. (2022). *Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders* (5th ed., text rev.; DSM-5-TR). American Psychiatric Association Publishing.
Centers for Disease Control and Prevention. (2024). *Attention-Deficit / Hyperactivity Disorder (ADHD)*.
National Institute of Mental Health. (2024). *Attention-Deficit/Hyperactivity Disorder*.
World Health Organization. (2022). *International Classification of Diseases 11th Revision (ICD-11)*.
Barkley, R. A. (2023). *Taking Charge of ADHD* (5th ed.). Guilford Press.




