
بقلم/ فكري الرعدي
شهد العام المنصرم (2025) حرباً مفتوحة خاضتها قوات الشرطة العربية ضد عصابات المخدرات، وقد أفضت تلك الحرب إلى نتائج ممتازة على مختلف محاور جبهاتها. كما كشفت عن حجم الأخطار الهائلة التي تمثلها تلك العصابات الإجرامية على واقع المجتمع في مختلف الدول.
إن التأثير الكارثي الناتج عن التوسع المتسارع لأنشطة عصابات ترويج السموم البيضاء في المجتمعات العربية قد بلغ مستوىً غير مسبوق في تاريخ الوطن العربي، وهو ما دفع وزير الداخلية الكويتي إلى الإعلان بكل وضوح أن بلده يعيش حالة من الدمار الذي تسببت به عصابات المخدرات، إذ قال معاليه بصراحة: “المخدرات دمرت الكويت.. نعم دمرت الكويت”…!!
وما كان للرجل الأول المسؤول عن حفظ الأمن في دولة الكويت ليخرج على الملأ بهذا التصريح لولا إحساسه بأن الأمر قد تجاوز كل الحدود، وبلغ سيل المخدرات الزُبى فطفح كيل الوزير الذي أخذ على عاتقه مهمة مصارحة الجميع بواقع الحال.
لم يكن إعلان الوزير الكويتي يروم الدعوة إلى نصب سرادق العزاء على واقع المجتمع، بل يبتغي قرع جرس الإنذار بشدة متناهية بهدف إيقاظ المجتمع من غفلته أو تغافله عن العدو الخفي الذي يهدم مكتسبات الماضي ويُعيق مشاريع الإنجاز في الحاضر ويسد منافذ المستقبل.
لقد أتى إعلان الوزير الكويتي على خلفية المعارك الشرسة التي خاضتها قوات الشرطة الكويتية ضد عصابات المخدرات التي أغرقت الكويت في العام المنصرم بكميات هائلة من مختلف أنواع المخدرات والخمور ذات الماركات العالمية، وعبر تلك المعارك تمكنت قوات الشرطة الكويتية من ضبط شحنات كبيرة من السموم البيضاء في المنافذ الجمركية. ومن الطريف أن ترسل قوارب مجهولة محملة بالمخدرات عبر الساحل لتصل نقطة محددة إلى تجار المخدرات في البر الكويتي لكن يقظة الشرطة حالت دون وصول البضاعة الخبيثة إلى وجهتها المقصودة. وفي البر الكويتي كانت الشرطة بالمرصاد لعصابات المخدرات، غير أن شراسة المعركة دفعت بعض عناصر مافيا المخدرات إلى إقامة معامل سرية لإنتاج الخمور والمؤثرات العقلية بطرق غير صحيحة فأفضى تعاطيها إلى وفاة عدد من المقيمين الآسيويين على أرض دولة الكويت.
لذلك بات من المُلِح أن ترفع السلطات درجة المواجهة إلى مستوى أعلى يتناسب مع ارتفاع مستوى الخطر، فأتى إعلان وزير الداخلية الذي يدفع باتجاه رفع مستوى الوعي الشعبي بخطر المخدرات. كما أصدرت السلطات الكويتية المرسوم بالقانون رقم (159) لسنة 2025 بشأن مكافحة المخدرات، والذي تضمن تغليظاً للعقوبات على نحو غير مسبوق، إذ نصّ للمرة الأولى على عقوبة الإعدام، وهو ما يُعبر عن بدء مرحلة جديدة من المواجهة الشرسة مع من يهدد أمن المجتمع وسلامة شبابه.
أما في العراق؛ فيكفي المرء أن يتابع بصورة يومية شريط الأخبار على قناة(الشرقية) ليصاب بالدهشة من حجم كمية المخدرات المضبوطة في الأراضي العراقية، وسوف تزداد دهشته عندما يتعرف على طرق إدخالها وترويجها في البلد، لكن تلك الدهشة تزول ليحل محلها الغضب والألم عندما يتابع المرء أخبار الجرائم التي ارتكبت تحت تأثير المخدرات أو في سبيل الحصول على المال اللازم لشراء تلك السموم البيضاء من قبل مدمنيها.
وفي الجزائر تبدو المعركة شديدة إلى درجة غير معقولة، إذ في يوم واحد تمكنت قوات الشرطة بولاية قسنطينة من توقيف شخصين بحوزتهما 2772 كبسولة مهلوسة وأسلحة بيضاء محظورة ومبلغ مالي من عائدات بيع المخدرات، وتمكنت شرطة ولاية عنابة من حجز 7500 قرص مخدر، وحجزت شرطة ولاية باتنة 700 قرص مخدر، وأوقفت شرطة دائرة حاسي مسعود بولاية ورقلة سبعة أشخاص بحوزتهم 2300 قرص من المؤثرات العقلية، وفي ولاية برج بوعريريج ضبطت الشرطة شخصاً بحوزته 651 قرص مهلوس من نوع (بريغالين 300 ملج). كما تمكن أفراد من أمن ولاية ميلة من ضبط ثلاثة أشخاص بحوزتهم 130 قرص من المخدرات الصلبة (إكستازي – كوكايين) و101 كبسولة من المؤثرات العقلية، و15 قنينة ذات محلول مؤثر عقلي، بالإضافة إلى أسلحة بيضاء محظورة ومبالغ مالية من العائدات الإجرامية بالعملتين الوطنية والأجنبية. كما تمكنت قوات الشرطة بالشراقة (الجزائر العاصمة) من تفكيك شبكة إجرامية منظمة ذات امتداد دولي متخصصة بالمتاجرة بالمخدرات، وحجز كميات معتبرة من تلك السموم. وأحبط رجال مكافحة المخدرات وقوات الجمارك محاولة تهريب ثلاثة كيلوجرامات من مادة الكيف المُعالج.
إذا كانت السطور السابقة قد أجملت حجم كمية المخدرات المضبوطة بالأراضي الجزائرية في يوم واحد، فإن ضرب ذلك الرقم في عدد أيام السنة يُشير إلى أن البلد يواجه طوفاناً من المخدرات التي يؤدي انتشارها إلى كوارث محققة في مختلف أصعدة الحياة.
أما في مصر؛ فالمواجهة في أعلى درجاتها، إذ تعددت محاور المواجهة ضد مافيا المخدرات أمنياً وقانونياً ومالياً، ويصعب علينا حصر نتائج تلك المواجهة على مدار العام الماضي، غير أن توضيح الصورة يقتضي ذكر بعض الأمثلة؛ ولنأخذ أواخر شهر نوفمبر وأوائل ديسمبر مثالاً على ذلك، إذ تم في 27 نوفمبر بالقاهرة ضبط عصابة شديدة الخطورة بحوزتهم 130 ألف قرص مخدر تقدر قيمتها المالية بـ91 مليون جنيه، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية ضد ثمانية من تجار المخدرات لقيامهم بغسل مليار وستمئة مليون جنيه من عائدات بيع المخدرات.
وفي اليوم ذاته؛ شهدت مصر حدثاً غير مسبوق؛ إذ أصدر محافظ أسوان قرارين إداريين بإنهاء خدمة تسعة من العاملين بالجهاز الإداري للدولة لثبوت تعاطيهم المواد المخدرة (الحشيش) في أثناء تأدية مهام عملهم الحكومي، وأكد المحافظ على عدم التهاون مع أي موظف يثبت تعاطيه المخدرات.
وفي الثالث من ديسمبر تم ضبط عناصر بؤرة إجرامية بقنا وعثر بحوزتهم على 900 كيلو جرام من المواد المخدرة المتنوعة تقدر قيمتها المالية بـ91 مليون جنيه، بالإضافة إلى 92 قطعة سلاح ناري و76 بندقية آلية و12 فرد خرطوش وبندقية خرطوش و3 طبنجات. كما تم اتخاذ الإجراءات القانونية حيال عناصر تشكيل عصابي مكون من ثلاثة عناصر جنائية خطرة مقيمين بنطاق محافظتي الشرقية والقاهرة لقيامهم بغسل 180 مليون جنيه متحصلة من نشاطهم الإجرامي في الاتجار بالمواد المخدرة.
أما في الخامس من ديسمبر فقد أحبطت الشرطة محاولة جلب 1.5 طن من الحشيش بالإسماعيلية قيمتها 150 مليون جنيه. كما تم ضبط مجرمين غسلا 100 مليون جنيه من الاتجار بالمخدرات في كيانات شرعية كالعقارات والسيارات والأنشطة التجارية، بالإضافة إلى ضبط 99 سائقاً متعاطياً للمخدرات.
مما سبق يتضح تعدد محاور المواجهة ضد مافيا المخدرات، إذ شملت مواجهة المهربين والموزعين والمدمنين وتتبع الأنشطة المالية المترتبة على نشاط شبكات المخدرات، ومتابعة إنقاذ حالات المدمنين في مراكز علاج الإدمان.
إن تصاعد حملة ترويج المخدرات يؤكد وجود خطة كبرى تنفذها قوى خفية ضمن إستراتيجية استنزاف الوطن العربي مالياً وأمنياً واجتماعياً واقتصادياً. كما أن ترويج المخدرات بأثمان زهيدة هدفه الأساسي سرقة مستقبل الشعب العربي.
وقد بات معلوماً أن المخدرات إحدى وسائل الحرب الهجينة وحروب الجيل الخامس التي لم تعد تعتمد على المواجهة المباشرة، بل على استهداف المجتمعات من الداخل عبر التقنيات والشبكات الإجرامية والاختراق الاقتصادي.
لذلك لنجعل من العام الجديد.. عاماً للتوعية بمخاطر السموم البيضاء لتفويت الفرصة على أعداء الوطن والشعب.. ولنكن جميعاً يداً واحدة تدعم قوى الشرطة والجيش في حرب حماية المستقبل.




