المزيد

المحامي حسين الظايط يوضح قانون الإجراءات الجنائية الجديد… من ورق القانون إلى امتحان قاعة المحكمة

 

كتبت هاجر عبد العليم

ذكر الاستاذ حسين الظايط المحامي بالاستئناف العالي و مجلس الدولة رايه في

قانون الإجراءات الجنائية الجديد.. قائلاً : في الأول من أكتوبر 2026، لن يكون المحامي أمام مجرد قانون جديد يضعه في مكتبته بجوار قانون الإجراءات الجنائية القديم.

 

سيكون أمامه نظام إجرائي جديد.

 

قانون رقم 174 لسنة 2025 بإصدار قانون الإجراءات الجنائية سيبدأ تطبيقه فعليًا في هذا التاريخ، بعد أن ظل قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950 هو المرجع الأساسي لعقود طويلة. وقد حدد المشرع موعد النفاذ بعد نحو عام من نشر القانون، لإتاحة الوقت للقضاة وأعضاء النيابة ومأموري الضبط والمحامين للتعامل مع الأحكام الجديدة والاستعداد لتطبيقها.

 

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

 

القانون الجديد ليس مجرد «قانون إجراءات»

 

الإجراءات الجنائية ليست تفاصيل جانبية في الدعوى.

 

هي الطريق الذي تسلكه الدولة من لحظة الاشتباه في ارتكاب جريمة، مرورًا بالاستدلال والتحقيق والقبض والتفتيش والحبس الاحتياطي، وحتى المحاكمة والطعن وتنفيذ الحكم.

 

وبالتالي فإن تغيير قانون الإجراءات يعني، في جانب كبير منه، إعادة ترتيب العلاقة بين سلطة الاتهام وسلطة التحقيق والمحكمة وحق الدفاع.

 

والسؤال بالنسبة للمحامي ليس:

 

«إيه الجديد في القانون؟»

 

السؤال الأهم هو:

 

«إيه اللي هيتغير بكرة وأنا واقف في المحكمة؟»

 

أول تغيير مهم: زمن القانون

 

القانون الجديد صدر في نوفمبر 2025، لكنه لم يبدأ تطبيقه فورًا، وإنما حدد المشرع الأول من أكتوبر 2026 موعدًا للعمل به. وهذه الفترة الانتقالية لم تكن رفاهية؛ فالقانون يتضمن أحكامًا إجرائية واسعة، ويحتاج تطبيقها إلى تجهيزات وتدريب وتنظيم داخل منظومة العدالة.

 

ومن هنا يجب أن يفهم المحامي أن يوم 1 أكتوبر ليس مجرد تاريخ في أول صفحة من أجندته.

 

إنه خط فاصل إجرائي.

 

قضية قبل هذا التاريخ ليست بالضرورة كقضية بدأت بعده، وهناك أحكام انتقالية يجب الرجوع إليها في كل ملف بحسب مرحلته الإجرائية. فالمشرع نظم، على سبيل المثال، استمرار نظر بعض الطعون في الأحكام الغيابية الصادرة قبل سريان القانون وفق الأوضاع السابقة، كما وضع تنظيمًا خاصًا لسريان أحكام استئناف الجنايات.

 

حرمة المسكن… ليست مجرد نص

 

من أكثر النقاط التي تستحق التوقف عندها ما يتعلق بدخول المساكن.

 

المشرع لم يترك المسألة في صورتها العامة، وإنما أعاد ضبط الحالات الاستثنائية لدخول المسكن، ومن بينها حالات الاستغاثة والخطر الناجم عن الحريق أو الغرق وما شابه ذلك، في إطار يستهدف وضع ضوابط أوضح للحماية الدستورية لحرمة المسكن.

 

وهنا تظهر قيمة النص الإجرائي.

 

لأن المسألة ليست فقط:

هل دخل مأمور الضبط المسكن؟

 

ولكن:

 

لماذا دخل؟ وكيف دخل؟ وما هو السند القانوني؟ وهل تحققت الحالة الاستثنائية التي يسمح فيها القانون بذلك؟

 

وهذه أسئلة ستظل للمحامي فيها مساحة حقيقية للمناقشة والدفاع.

 

الحبس الاحتياطي… الملف الذي سيظل تحت المجهر

 

الحبس الاحتياطي من أكثر الملفات حساسية في أي نظام إجرائي جنائي.

 

والقانون الجديد لم يتعامل معه باعتباره مجرد وسيلة واحدة، وإنما جاء بتنظيم يتضمن بدائل للحبس الاحتياطي، مع تعديلات وضمانات تتعلق بالإيداع في أماكن الاحتجاز، والرقابة القضائية، وحق المتهم في الطعن على الأمر الصادر بالإيداع أو مدته في الحالات التي حددها القانون.

 

وهنا أعتقد أن التطبيق العملي سيكون أهم من الكلام النظري.

 

لأن السؤال الحقيقي لن يكون فقط:

 

«ماذا قال القانون عن الحبس الاحتياطي؟»

 

بل:

 

«هل أصبحت الحرية هي الأصل الذي نبحث عن مبرر قانوني لتقييده، أم أصبح الحبس هو البداية التي نبحث لها عن بديل؟»

 

وهذه ليست إجابة يكتبها المقال.

 

هذه إجابة ستكتبها المحاضر، وقرارات النيابة، وأوامر القضاء، ومرافعات المحامين.

 

وحق الدفاع؟

 

أي قانون إجراءات جنائية يُقاس في النهاية بقدرته على تحقيق التوازن.

 

الدولة تحتاج إلى الوصول إلى الحقيقة وملاحقة الجريمة.

 

والمتهم له حق أصيل في الدفاع عن نفسه وفي ألا تتحول الإجراءات إلى وسيلة تهدر ضماناته.

 

والقانون الجديد تناول عددًا من المسائل المرتبطة بحضور المحامي أثناء الاستجواب، ونظم حالات استثنائية تتعلق باستجواب المتهم الذي يخشى على حياته، إلى جانب ضمانات أخرى مرتبطة بالإيداع والاحتجاز.

 

وهنا تحديدًا سيظهر دور المحامي الحقيقي.

 

ليس دور المحامي أن يحفظ أرقام المواد فقط.

 

دوره أن يعرف متى يتمسك بالنص، ومتى يدفع ببطلان الإجراء، ومتى يطلب استبعاد أثر إجراء تم على خلاف الضمانات التي قررها القانون.

 

من وجهة نظري… المشكلة ليست في صدور القانون

 

أنا لا أرى أن نجاح قانون الإجراءات الجنائية الجديد سيقاس بعدد المواد التي تم تعديلها، ولا بعدد المواد التي أضيفت أو ألغيت.

 

القانون الحقيقي هو القانون الذي نراه في المحضر.

 

في غرفة التحقيق.

 

في أمر الحبس.

 

في إعلان المتهم.

 

في جلسة المحكمة.

 

وفي أسباب الحكم.

 

لذلك فإن 1 أكتوبر 2026 ليس نهاية مرحلة التشريع، وإنما بداية مرحلة الاختبار الحقيقي.

 

اختبار للمحامي قبل غيره.

 

لأن المحامي الذي يدخل المحكمة وهو يتعامل مع القانون الجديد بعقلية القانون القديم، قد يجد نفسه أمام إجراءات تغيرت بينما أدواته ما زالت كما هي.

 

كلمة أخيرة

 

قانون الإجراءات الجنائية الجديد سيحتاج إلى قراءة مختلفة.

 

مش قراءة «مادة 1 ثم مادة 2 ثم مادة 3».

 

بل قراءة عملية:

 

إيه اللي حصل في القسم؟

إيه اللي حصل في النيابة؟

إيه اللي اتكتب في المحضر؟

إيه اللي اتعمل في التحقيق؟

إيه حقوق المتهم؟

إيه دور المحامي؟

وإيه اللي المحكمة تقدر تبنيه على إجراء صحيح أو تهدمه بسبب إجراء باطل؟

 

وهنا أقولها بطريقتي:

 

القانون الجديد لن يختبر قوة النص فقط…

بل سيختبر قدرتنا نحن على فهم النص واستخدامه.

 

وفي النهاية، العدالة الجنائية لا تقوم فقط على الوصول إلى المتهم.

 

بل على الوصول إلى الحقيقة من خلال إجراءات تحترم القانون وحقوق الدفاع وحرية الإنسان.

 

ومن يوم 1 أكتوبر 2026…

 

هنشوف القانون على حقيقته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى