مقال

أكتوبر من النصر المجيد إلى الطوفان العظيم

البوابة اليوم

بقلم فكـري الرعـدي

 

يحتل شهر أكتوبر مكانة عظيمة في نفوس العرب، إذ شهد أعظم الأحداث في تاريخهم الحديث والمعاصر، ففي السادس من أكتوبر 1973 أثبت الجيش المصري أنه خير أجناد الله في الأرض عندما اقتحم خط بارليف أعظم تحصينات الجيوش في العصر الحديث، وفي الرابع عشر من أكتوبر 1967 انطلقت ثورة الشعب اليمني ضد الاستعمار البريطاني لتجبره على الرحيل عن جنوب اليمن في الثلاثين من نوفمبر من العام ذاته، واليوم في السابع من أكتوبر 2023 وجد العدو الصهيوني نفسه أمام طوفان الأقصى الذي شكل صفعة كبيرة في وجه الكيان الذي تمادى في غطرسته وعربدته بحق المقدسات والكرامة الإنسانية للشعب العربي الفلسطيني..

إن تتابع الأحداث بهذه الصورة ليس وليد الصدفة، وإنما تأكيد على عظمة الإنسان العربي في مواجهة الهيمنة الاستعمارية بكل أشكالها، إذ بعد أن اعتقد العدو الصهيوني أن العرب قد خرجوا من التاريخ عقب نكسة يونيو 1967، إذا به يفقد صوابه عند ظهيرة عيد الغفران اليهودي عندما أوقعت به قوات الجيش المصري هزيمة ساحقة براً وبحراً وجواً، ووثقت عدسات الكاميرا آلاف الصور لبسالة جنود مصر وأبطالها في كافة الميادين، وظهر الذل واضحاً على وجوه جنود الجيش الإسرائيلي الذين استسلموا بمدرعاتهم للجيش المصري في أرض سيناء العزيزة، لكن الذل كان أكبر على وجوه ساسة الكيان الإسرائيلي وجنرالات جيشه الذين أعلنوا بألسنتهم عن ذهولهم اللامحدود من هول المفاجأة التي تميز بها الهجوم المصري على قوات الجيش الإسرائيلي وهو ما أفقد تلك القوات زمام المبادرة، وبذلك تحطمت أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر، إذ لم تتأخر (جولدا مائير) عن الاستنجاد بالولايات المتحدة الأميركية، وهو ما يثبت هشاشة الجيش الإسرائيلي.

أما في الرابع عشر من أكتوبر 1967 فقد انفجرت ثورة الغضب العربي على يد “الشياطين الحمر” في جبال ردفان بجنوب اليمن، وأحال فدائيوها الأرض اليمنية إلى جحيم مستعر تحت أقدام جنود الاحتلال البريطاني الذي استمرأ البقاء طويلاً في جنوب اليمن وكأن لديه صك ملكية تلك الأرض الغالية على نفوس كل العرب، وكان لجيش مصر وقيادتها وشعبها دوراً بارزاً في دعم المعركة التحررية حيث أطلقت مصر عملية (صلاح الدين) لتحرير جنوب اليمن، وأعلن الزعيم الخالد جمال عبدالناصر كلمته المشهورة التي ما تزال تتردد على ألسنة اليمنيين: “على بريطانيا أن تأخذ عصاها وترحل من جنوب اليمن”، وتحت ضربات الثوار الأحرار اضطرت العجوز أن تأخذ عصاها وترحل منكسرة في الثلاثين من نوفمبر 1967 ليشهد أكتوبر المجيد نصراً عربياً سوف يظل محفوراً في ذاكرة العرب إلى الأبد.

وفيما كان العرب يتابعون وثائقيات اليوبيل الذهبي للنصر الأكتوبري العظيم، إذا بهم يجدون شاشات التلفزة تمطرهم بصور طوفان الأقصى الذي قادته سرايا القسام ضد مستوطنات غلاف غزة، وتعيد للأذهان مشاهداً لم يرها العرب منذ خمسين عاماً حيث يسقط المئات من الإسرائيليين قتلى ويقع المئات منهم أسرى في قبضة المقاتلين الفلسطينيين ويعلن الصهاينة فقدان المئات من أبنائهم في مصير مجهول في خضم الطوفان الذي يبدو أنه لن يتوقف قريباً.

وبالتأكيد فإن الطوفان قد أتى ثأراً لعربدة قطعان المستوطنين بحق المسجد الأقصى في ظل التحريض الممنهج لوزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف (بن غفير) وحماية جيش الاحتلال للصهاينة الذين استمرأوا تدنيس المقدسات في القدس بشكل يومي في رسالة واضحة تنم عن تحقير العرب ومقدساتهم والتحضير لما هو أسوأ من ذلك. كما أن الممارسات الإجرامية التي تمت شرعنتها بفرمانات (بن غفير) ضد الأسرى العرب في سجون الاحتلال الإسرائيلي قد زادت من سعير النار المتقدة أصلاً في ظل غياب الرجاء بمستقبل واعد نتيجة السياسات الغبية التي استهدفت تحطيم عملية السلام وتجاهلت قرارات الأمم المتحدة بشأن حل الدولتين، وهو ما يكشف عن عنصرية إسرائيلية بغيضة وعن نفاق غربي لا يمكن تبريره أو تغطيته بأي شكل من الأشكال، فإذا كان الساسة يتحدثون عن الواقعية السياسية، فلماذا لم تفهم إسرائيل ومن يدعمها أن الفلسطينيين الذين يقبلون ـ ولو على مضض ـ وجود دولة إسرائيلية على جزء من أرضهم المباركة يستحقون الحصول على دولة فلسطينية كاملة السيادة؟ لا شيء يبرر ذلك سوى المنطق الإسرائيلي القائل بأن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض.. ولكن هل عرف الصهاينة اليوم أن في فلسطين شعباً صاحب حضارة ومالك أرض؟

إن الطوفان الذي جرف التكبر الإسرائيلي قد أثبت أن الشعب الفلسطيني استفاد من دروس أكتوبر 1973 حيث الدقة في التخطيط ودراسة الأهداف المعادية ومباغتة العدو في الهجوم، ولعل توقيت الطوفان يكشف الكثير عن تلك الدروس المستفادة، وأهمها أن العدو الصهيوني لم يتعلم الدرس ولم يستفد من تاريخ الصراع، وينكشف غباء العدو اليوم أكثر من ذي قبل عندما يحاول تكرار السيناريو القديم بدفع سكان غزة إلى سيناء وتحويلها إلى وطن بديل ليثبت منطقه العنصري بأن فلسطين بلا شعب، وهو ما تصدت له مصر وسوف تتصدى له في المستقبل لأن فلسطين ستبقى لشعبها المرابط إلى الأبد.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد؛ بل كشف الصهاينة عن وجههم الذي لطالما حاولوا إخفائهم خلف قناع الديمقراطية المزيفة والحضارة المزعومة، إذ بمجرد وصول أولى موجات الطوفان الفلسطيني إذا بالصهاينة يضربون حصاراً كاملاً على سكان غزة، مُعلنين بكل وقاحة عن منع البشر من الحصول على الغذاء والدواء والكهرباء والماء، وتلك جريمة حرب مكتملة الأركان وفقاً للقانون الدولي.

لكن المشهد الأكثر إثارة للسخرية يتمثل في مسارعة قادة الكيان الإسرائيلي لطلب النجدة العسكرية من الولايات المتحدة الأميركية بعد ساعات فقط من بدء العمليات العسكرية، فهل حقاً استنفذ جيش الاحتلال الإسرائيلي طاقته ليستغيث بالجيش الأميركي؟ وهل يعقل أن هذا الجيش المُدجج بأحدث الأسلحة ينهار بسهولة أمام مقاتلي فصيل واحد من فصائل المقاومة الفلسطينية؟ … إنها الخرافة التي تتكرر مشاهد سقوطها ولكن هذه المرة في البث التلفزيوني المباشر الذي يخشاه الصهاينة.. خرافة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر..

إن أكتوبر المجيد سوف يظل شاهداً مدى الدهر على أن الحق لا يضيع ما دام ورائه مطالب، وأن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة.. فهل يفهم الصهاينة أن العالم يتغير كل لحظة، وأن الأوان قد حان لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى