مقال

«في لحظة واحدة… مصر تدخل عامًا جديدًا بلا أسئلة عن الديانة»

بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي

عندما تقترب عقارب الساعة من منتصف الليل، ويحبس الناس أنفاسهم انتظارًا للدقيقة الفاصلة بين عامين، لا تقف مصر عند بوابة الدين لتسأل: من مسلم؟ ومن مسيحي؟
الزمن في هذه اللحظة لا يعرف الهويات، والفرح لا يطلب بطاقة تعريف. كل ما يريده هو قلب مفتوح وأمل جديد.

في الشارع المصري، المشهد واحد لا يتكرر في مكان آخر بنفس البساطة والعفوية. زينة رأس السنة تلمع فوق المحلات، الباعة ينادون، المقاهي تمتلئ بالضحكات، والأسر تخرج لتتنفس بداية مختلفة. التهاني تتطاير في الهواء: «كل سنة وأنت طيب»، جملة قصيرة لكنها تحمل في طياتها معنى واسعًا لا يعرف التمييز.

قد تمشي بين الناس فلا تستطيع أن تفرّق بين مسلم ومسيحي، لأن أحدًا لا يحاول أن يُظهر ذلك أصلًا. هنا لا يُقاس الإنسان بعقيدته، بل بحضوره، بأخلاقه، وبقدرته على أن يشارك غيره لحظة الفرح. في مصر، الفرح شأن عام، لا يُغلق على فئة ولا يُختزل في طقس.

وقد تدخل بيتًا مصريًا، فتجد مشهدًا لا يثير الدهشة بقدر ما يثير الطمأنينة: سجادة صلاة في ركن، وعلى رف قريب مصحف، وبجواره الكتاب المقدس. لا صراع ولا تناقض، بل حياة تسير كما اعتادها المصريون منذ قرون. هنا، الإيمان لا يتصارع، بل يتجاور، والوطن يتسع للجميع دون أن يطلب من أحد أن يتنازل عن عقيدته.

رأس السنة في مصر ليست احتفالًا دينيًا بقدر ما هي وقفة إنسانية مع الذات. المسلم ينظر إلى عام مضى، يحاسب نفسه، ويتمنى سترًا ورحمة في القادم. والمسيحي يرفع صلاة صادقة أن يحمل العام الجديد سلامًا وأمانًا. تختلف الكلمات، لكن الدعاء واحد، والأمل واحد، والخوف من الغد أيضًا واحد.

في تلك الليلة، تسقط الحواجز دون خطب أو شعارات. لا قرار يُصدر بالمحبة، ولا لافتات تُعلّق للوحدة الوطنية، لكنها تُمارَس ببساطة. يمارسها الناس حين يبتسمون لبعضهم دون سؤال، وحين يفرحون دون شروط، وحين يدركون أن الاختلاف لا يمنع العيش المشترك، بل يثريه.

مصر لا تحتفل وحدها بدخول عام جديد، بل تحتفل بفكرة أعمق: أن العيش معًا ليس شعارًا، بل أسلوب حياة. أن الوطن أقوى حين يجمع، لا حين يُقسّم. وأن الإنسان، قبل أي صفة أخرى، يستحق الفرح.

هكذا تستقبل مصر عامها الجديد…
بقلب واحد، وبأحلام متشابهة، وبإيمان راسخ أن الغد يمكن أن يكون أفضل.

كل عام ومصر بخير،
وكل عام وهي تبتسم للعالم قائلة: هنا نحتفل معًا… بلا أسئلة عن الديانة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى