الانتخابات البرلمانية في مصر…؟!

بقلم /محمد عادل عبد الخالق
نائب برلمان الشباب
الانتخابات البرلمانية في مصر لم تعد ميدانًا للمنافسة على خدمة الوطن، بل مزادًا صريحًا على مقاعد التشريع، فحين يدفع الراغب في الترشح ملايين الجنيهات على سبيل “التبرع” مقابل إدراج إسمه ضمن القوائم، فإننا لا نتحدث عن ديمقراطية، بل عن تجارة تشريعية مشبوهة، ومن يدخل البرلمان بثمن، لا بد أن يبحث عن وسيلة لتعويض ما دفعه، فيتحول المقعد من أمانة وطنية إلى صفقة استثمارية مربحة.
هنا يختلط التشريع بالمصلحة، وتضيع العدالة بين نفوذ المال ومكر السياسة، لكن الأخطر من كل ذلك أن هذا الباب المفتوح على مصراعيه قد يغري جهات خارجية أو كيانات معادية — كجماعة الإخوان أو من يدور في فلكها — بتمويل بعض المرشحين سراً، لتضمن السيطرة على البرلمان من الداخل، فإذا تحولت القبة إلى مساحة نفوذ لتلك القوى، صار التشريع نفسه أداة اختراق للدولة، وصارت القوانين تُصاغ على هوى من يريد العبث بالأمن القومي لا خدمته، وهنا لا يكون الخطر على المواطن فقط، بل على الوطن كله.
ما يجري اليوم هو فوضى تشريعية تستدعي تدخل الدولة فوراً، لا بد من إعادة بناء الثقة في المؤسسة البرلمانية، بتشريعات حاسمة تمنع الجمع بين عضوية البرلمان وأي نشاط استثماري أو تجاري، فالنائب الذي يملك شركات أو يشارك في صفقات، لا يمكن أن يكون حراً في قراره أو نزيهاً في تشريعه، عضو البرلمان يجب أن يكون حارساً للقانون لا مستثمرا فيه، وإذا كانت الدولة تريد برلمانا يحميها لا يساوم عليها، فعليها أن تضع حدا لهذا العبث، وتغلق الباب أمام من حولوا العمل السياسي إلى تجارة، والمقعد إلى سلعة، والوطن إلى صفقة مفتوحة.
حين يتسلل المال إلى السياسة، ينهار الضمير الوطني تدريجيا دون صوت، فمن يشتري الصوت اليوم، سيبيع المبدأ غدا، ومن يدخل البرلمان بحقائب الأموال لن يخرج منه إلا بمكاسب مضاعفة، وهكذا تُزرع في الوعي الجمعي فكرة أن “كل شيء يُشترى”، وأن الكفاءة لا وزن لها أمام المال، وأن الوطنية مجرد شعار للاستهلاك.
المال السياسي لا يُفْسِد السياسة فقط، بل يَهدم منظومة القِيَم الوطنية من جذورها، فيفقد المواطن الثقة في العدالة، ويشعر أن الوطن صار مزرعة للمصالح، فينسحب من المشاركة العامة ويترك الساحة للفاسدين، ومن هنا يبدأ الخطر الأكبر حين يتحول الصمت الشعبي إلى قبول، والفساد إلى واقع مألوف.
في النهاية أقول: إن الدولة التي تسمح بتسلل المال إلى مؤسساتها، تفتح الباب لانهيار هيبتها من الداخل، والبرلمان الذي يُشترى بعض أعضائه، لا يمكن أن يُشرّع عدلًا ولا أن يحمي وطنا، آن الأوان لتجفيف منابع الفساد السياسي، ووضع حدود فاصلة بين من يخدم الدولة ومن يتاجر بها، فإما أن نعيد للبرلمان شرفه، أو نتركه يسقط في مزاد لا رابح فيه سوى من اشترى الوطن بثمن بخس، فالوطن لا يبنى بالأغنياء، بل بالشرفاء، ولا تحميه الأموال، بل، الضمائر.




