الرئيسيةفن وثقافية

الدكتور ناصر الجندي يتنبأ عن : بردية الخزي… حين سقطت سيدة الأختام

بردية الخزي… حين سقطت سيدة الأختام

بقلم الدكتور ناصر الجندي

في زمن بعيد، حين كانت الشمس تشرق على معابد طيبة، وحين كان النيل هو شريان الحياة، قامت في قلب المدينة دار الحكمة والتعليم، حيث يتعلم أبناء الكتبة والنبلاء الحساب والهندسة والكتابة وفنون إدارة شؤون البلاد.

وكانت في قصر الفرعون امرأة تُدعى “نفر-حتب” تتولى منصبًا شديد الحساسية؛ فقد كانت مشرفة أخبار القصر والوفود والاحتفالات، والمسؤولة عن نقل أخبار دار التعليم إلى القصر، واستقبال الشكاوى والرسائل، وتنظيم الاحتفالات التي تُعلن فيها إنجازات المعلمين والكتبة.

كانت تعرف كيف تبتسم أمام الفرعون، وكيف تختار الكلمات التي تجعل الفشل يبدو نجاحًا، وكيف تجعل صاحب الفكرة يبدو مشاغبًا، وكيف تجعل المقرب منها يبدو عبقريًا.

وكانت تمتلك شيئًا أخطر من السلطة نفسها: كانت تعرف كيف تستخدم المعلومات لإيذاء من لا تحب.

لم تكن تكره المبدعين لأنهم أخطأوا، بل لأنها كانت تخشى أن يلفت نجاحهم الأنظار بعيدًا عنها.

وذات صباح، جاءها الكاتب الشاب با-رع، يحمل بردية اقترح فيها طريقة جديدة لتعليم الحساب والهندسة.

قال بحماس:

— «يا سيدتي، نستطيع أن نجعل الأطفال يتعلمون القياس من خلال الحقول، والحساب من خلال توزيع الغلال، والهندسة من خلال بناء السدود.»

نظرت نفر-حتب إلى البردية، ثم إلى الشاب.

ابتسمت ابتسامة باردة.

— «فكرة جميلة.»

فرح با-رع.

لكنها أضافت:

— «جميلة أكثر مما ينبغي.»

ثم وضعت البردية في صندوق خشبي.

وفي اليوم التالي، صدر أمر بنقل با-رع إلى مخازن الغلال.

لم يفهم الشاب ما حدث.

أما نفر-حتب فقالت لمن حولها:

— «لسنا بحاجة إلى من يخلق المشاكل باسم التطوير.»

ومرت الأيام.

كلما جاء معلم بفكرة جديدة، اختفت البردية.

وكلما نجح موظف شاب، نسب النجاح إلى نفسها.

وكلما أخطأ أحد المقربين منها، وجدت له عذرًا.

حتى أصبحت دار التعليم مكانًا غريبًا: المجتهد يخاف، والمبدع يصمت، والمنافق يتقدم.

وكانت نفر-حتب تقيم كل شهر احتفالًا كبيرًا، تعلق فيه ألواحًا مزينة بالذهب تعلن: «دار التعليم تحقق أعظم إنجازاتها.»

لكن الحقيقة كانت شيئًا آخر.

فالطلاب فقدوا حماسهم، والمعلمون توقفوا عن اقتراح الأفكار، وأصبح الجميع يتعلم درسًا واحدًا لا علاقة له بالحساب أو الهندسة: لا تظهر كثيرًا، حتى لا تزعج من فوقك.

وفي أحد الأيام، حدث ما لم تتوقعه نفر-حتب.

كان الفرعون يستعد لزيارة دار التعليم.

وقبل الزيارة بثلاثة أيام، وصلته بردية مجهولة المصدر.

كانت قصيرة.

لكنها حملت أرقامًا وأسماء وشهادات المعلمين والكتبة.

وفي آخرها جملة واحدة: «مولاي، إن كنت تريد أن ترى دار التعليم كما هي، فلا تنظر إلى جدرانها المزينة… اسأل من يعمل خلفها.»

غضب الفرعون.

وأمر بفتح سجلات دار التعليم.

وبدأت الحقيقة تظهر.

بردية بعد بردية.

فكرة دفنت.

معلم أُبعد.

شاب عوقب لأنه أبدع.

إنجاز نُسب إلى غير صاحبه.

وشكاوى اختفت قبل أن تصل إلى القصر.

ثم ظهرت البردية التي كتبها با-رع.

لكن المفاجأة كانت أن با-رع لم يكن صاحبها الحقيقي الوحيد.

فقد وجد الفرعون عشرات البرديات التي كانت تحمل أفكارًا متشابهة، وكلها اختفت في الفترة نفسها.

عندها قال كبير الكهنة:

— «يا مولاي، يبدو أن المشكلة ليست في الموظفين… بل فيمن كان يقف بينهم وبين القصر.»

وفي صباح اليوم التالي، دخلت نفر-حتب قاعة العرش بثقة.

كانت ترتدي أفضل ملابسها، وتحمل تقريرًا جديدًا عن «نجاحات دار التعليم».

وضعت البردية أمام الفرعون.

لكن الفرعون لم ينظر إليها.

قال بهدوء:

— «هل تعلمين ما أكثر شيء يؤلم في خيانة الأمانة؟»

ارتبكت.

— «لا يا مولاي.»

قال:

— «أن الخائن يظن أن الناس لا يرون.»

ثم أشار إلى عشرات البرديات.

— «هذه أفكار سرقتها الأيام من أصحابها… وهذه أسماء من ظلمتهم… وهذه تقارير زُيّفت… وهذه شهادات من خافوا أن يتكلموا.»

بدأ وجه نفر-حتب يتغير.

قالت:

— «مولاي… لقد كنت أحافظ على استقرار الدار.»

أجاب الفرعون:

— «لا. كنت تحافظين على مكانك.»

ثم أصدر حكمه.

لم يأمر بقتلها.

كان الحكم أقسى من ذلك.

أمر بأن تُسحب منها أختامها، وتُمحى ألقابها من سجلات القصر، وتُعاد كل البرديات إلى أصحابها، وأن تُعرض أمام أهل دار التعليم أسماء من ظلمتهم.

ثم أمر بنقلها إلى دار الأرشيف القديمة، حيث تقضي ما تبقى من حياتها في ترتيب البرديات التي كانت قد دفنتها وأخفتها.

لكن المفاجأة الكبرى كانت في آخر الأمر.

قال الفرعون:

— «وسيُكتب على مدخل الأرشيف اسمك الحقيقي ووظيفتك السابقة، حتى يعرف كل من يدخل إلى هنا أن أخطر ما يمكن أن يصيب مؤسسة تعليمية ليس نقص المال ولا قلة الإمكانات… وإنما أن يتولى أمرها من يخاف الموهبة ويعاقب المبدعين.»

ومضت السنوات.

وفي كل صباح، كانت نفر-حتب ترى المعلمين والطلاب يمرون أمام دار التعليم الجديدة.

كان با-رع قد أصبح كبيرًا للمعلمين.

وكانت أفكاره تُدرّس للأطفال.

أما هي، فكانت تجلس وحيدة بين آلاف البرديات.

وذات مساء، وجدت بردية قديمة بخط يدها.

كانت قد كتبت عليها قبل سنوات: «النجاح هو أن يظل الجميع محتاجين إليّ.»

ظلت تحدق فيها طويلًا.

ثم أدركت متأخرة أن هذه الجملة كانت تختصر مأساتها كلها.

لقد قضت عمرها تحاول أن تجعل المؤسسة تدور حولها…

فانتهى بها الأمر إلى أن تصبح هي نفسها أكثر إنسان يمكن الاستغناء عنه.

وقبل موتها بأيام، طلبت أن ترى دار التعليم للمرة الأخيرة.

وقف بها الحراس عند بوابتها.

كان الأطفال يدرسون في الساحات، والمعلمون يناقشون أفكارًا جديدة، والكتبة يكتبون بحرية.

سألت بصوت خافت:

— «ومن يدير كل هذا؟»

أجابها أحدهم:

— «أشخاص كثيرون.»

ثم تركها وانصرف.

كانت تلك الجملة هي أقسى عقوبة تلقتها في حياتها.

أشخاص كثيرون.

لأن المؤسسة التي حاولت أن تجعلها رهينة لشخص واحد، اكتشفت في النهاية أنها تستطيع أن تزدهر عندما يتحرر الناس من الخوف.

وهكذا انتهت حكاية نفر-حتب.

لم تُقتل بالسيف.

ولم تُسجن خلف أسوار عالية.

بل عاشت لترى الشيء الذي كانت تخشاه أكثر من الموت: أن ينجح المبدعون الذين حاربتهم… في غيابها.

ومنذ ذلك الحين، صار كتبة دار التعليم يرددون حكمة نقشوها على بابها: قد يستطيع صاحب السلطة أن يغلق بابًا أمام الفكرة، لكنه لا يستطيع قتلها… فإذا رحل صاحب الباب، دخلت الفكرة من النافذة.

وكان اسم نفر-حتب، الذي كانت تتباهى به يومًا، قد تحول مع الزمن إلى تحذير يتناقله الكتبة: «إياك أن تجعل منصبك أكبر من المؤسسة التي اؤتمنت عليها.»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى