مقال

سيّارات “الإدخال” الأوروبية في مناطق شمال وشرق سوريا

البوابة اليوم

(الآثار والنتائج والمقترحات)

محمد حسن- سوريا- القامشلي

بدأت سيارات الإدخال بالظهور في سوريا بعد عام 2011م حيث بدأت الاحتجاجات الشعبية وخرجت الكثير من المناطق عن سيطرة الحكومة السورية، وسيارات “الإدخال” الأوربية هي التي تدخل إلى المناطق التي لا تتبع لسيطرة الحكومة، هذه السيارات تدخل إلى مناطق الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا عبر معبرَين رئيسين، هما: معبر “سيمالكا” الحدودي مع إقليم كردستان العراق على نهر دجلة، ومعبر “عون الدادات” في منبج، مع مناطق سيطرة الفصائل السورية المعارِضة الموالية لتركيا، وذلك عن طريق تجّار على طرفي المعبرَين المذكورَين.

في بداية الأمر كان عدد تلك السيارات محدودًا جدّا ولم تكن تشكّل أيّة مشكلة في المنطقة، أمّا اليوم فباتت تلك السيارات تشكّل أزمة محلّية من حيث أعدادها وأنواعها وأسعارها وتأثيراتها.

نوعية سيارات “الإدخال” وتأثيراتها على الاقتصاد:

تدخل إلى المنطقة سيارات متنوّعة من حيث سنة الصنع والنوعية والاستعمال، لكنّها في الغالب تكون مستعمَلة، بعضها يصل إلى المنطقة في حالة جيدة إلّا أنّ معظمها يعاني مشاكل مختلفة، وقد لا تظهر تلك المشاكل في الفترة الأولى من استخدامها، لكنّها تظهر بعد فترة من استعمالها في الداخل.

تُعتبَر تلك السيارات منتهية الصلاحية في بلد المنشأ، وتُلزم تلك البلدان شركات تصنيعها بالتخلّص منها وإتلافها، لكن تلك الشركات وجدت في سوريا منفذًا لها لتسويق تلك السيارات وتحقيق أرباح كبيرة نتيجة لتلك العملية بدلًا من إتلافها.

إنّ انخفاض سعرها مقارنة مع أسعار السيارات النظامية المسجّلة لدى الحكومة السورية في دمشق هو ما يشجّع على اقتنائها من قبل المواطنين في الداخل السوري، إلّا أنّ المشكلات التي بدأت تظهر بسببها بالإضافة إلى احتمالات المخاطر المستقبلية نتيجة تدفّقها بأعداد هائلة تزيد من حدّة المخاوف وتدفع إلى التفكير الجدّي بالنتائج والتأثيرات المستقبلية، لا سيّما مع تزايد وتيرة الانتقادات التي تطال هذا الملفّ من قبل المواطنين والتجّار والمختصّين والمتابعين.

فمعظم الانتقادات تصبّ في فكرة واحدة، وهي أنّه “لو أنّ هذه المبالغ الطائلة التي أثّرت على الاقتصاد والحركة التجارية في المنطقة بشكل ملحوظ قد تم استثمارها بشكل جيّد، لكان أفضل من وضعها في سيارات “أكل عليها الدهر وشرب” في بلدان المنشأ؛ فالناس تشتري أكواماً من الحديد والخردة وهي قنبلة موقوتة بلا أمان ولا ضمان، فالاقتصاد يتّجه نحو الانهيار، ولابدّ من الحذَر في الاستمرار بإدخال هذه السيارات التي أثّرت بشكل كبير على العقارات والاستثمار المحلّي.

فيما سبق كانت هذه السيارات تدخل البلاد للاستفادة منها في مجال قطع الغيار، إلّا أن تسهيلات الشحن وكثرة العرض والطلب عليها رفع من سعرها وسط عدم إدراك البعض لأبعاد المسألة.

وكان من الأفضل لو تمّ استثمار هذه الأموال في مشاريع محلية تهدف إلى رفع مستوى دخل الفرد وإنعاش الاقتصاد؛ فالاستمرار في هذه السياسة سيؤدّي إلى أزمة اقتصادية تثقل كاهل المواطنين الذين يرزحون تحت نير واقع اقتصادي متردٍّ بسبب انهيار قيمة الليرة السورية والحصار الذي تعيشه مناطق الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا.

وفي الآونة الأخيرة تراجعت تجارة السيارات الأوربية بشكل ملحوظ؛ وذلك بسبب اكتفاء المنطقة وسدّ حاجتها من السيارات نتيجة زيادة العرض، إضافة إلى الخسائر المادية الكبيرة التي يتعرّض لها مالكو السيارات أثناء بيعها، فيشترون بأسعار مرتفعة ويبيعونها غالبًا بأسعار أقلّ من سعر الشراء.

التأثيرات البيئية والصحية:

أثناء الاقتراب من مدخل أية مدينة رئيسية في مناطق شمال وشرق سوريا يمكن ملاحظة تشكّل طبقات من الدخان تشبه غيوماً سوداء؛ نتيجة تصاعد عوادم السيارات وخصوصًا في مراكز المدن والطرق الرئيسة فيها.

فالسيارات التي يعود تاريخ تصنيعها إلى ما قبل 2012 وخاصة التي يعود تصنيعها إلى ما قبل العام 2000 تمتاز بتوليد غازات كثيرة مختلفة، خصوصًا في ظل عدم توفّر وقود نظيف في هذه المنطقة، والتي تعتمد غالبًا حتى الآن في إنتاج الوقود على طرق بدائية للغاية، فهذه السيارات تولّد “الغاز العادم” الذي يشكّل سببًا رئيسًا في تلويث الهواء، وبذلك تواجه المنطقة كارثة بيئية لا تُحمَد عُقباها .

وها ما يفسّر الارتفاع المتزايد في أعداد المصابين بمرض السرطان وكذلك الأمراض التنفّسية في تلك المناطق.

بنية تحتية غير جاهزة وأعباء تثقل كاهل المواطنين:

إنّ دخول هذه السيارات بشكل اعتباطي قد أدّى إلى اختناقات مرورية حادّة في مراكز المدن الرئيسية، مثل: الرقة والحسكة والقامشلي وغيرها.

هذه الاختناقات المرورية تستمر طوال اليوم، حيث يقضي الناس أوقاتًا طويلة للوصول إلى أعمالهم، بالإضافة إلى عدم توفّر مساحات وأماكن مناسبة لركن السيارات، الأمر الذي يضطرّ بسببه أصحاب السيارات إلى ركنها في أماكن بعيدة عن مركز المدينة، وغالبًا ما تكون تلك الأماكن في الحارات وأطراف المدن.

فمدينة القامشلي وحدها تحوي حوالي 50 ألف سيارة، في حين أنّ حد للاستيعاب فيها يتراوح بين 6 إلى 7 آلاف سيارة كحدّ أقصى.

في حين ثمة إحصائيات غير رسمية تقول إنه خلال سنوات الأزمة قد دخل إلى مناطق الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا نحو نصف مليون سيارة.

ويمكن ربط الاختناقات المرورية المتكرّرة في مراكز المدن بعدم توفر الأنفاق والجسور والأماكن الخاصة بركن السيارات، بالإضافة إلى عدم صلاحية غالبية الطرق ورداءتها سواء داخل المدن أو خارجها.

 

الحلول والمقترحات:

أمام هذه المشكلة التي عرضناها آنفًا ينبغي تحمّل المسؤولية التي تقع على عاتق الجميع، لذا نقترح محموعة من الحلول التي ربّما تساهم في التخفيف من آثارها، ومنها:

1- إيقاف استيراد سيارات الإدخال الأوروبية ولو لفترة محدودة.

2- تحسين نوعية الوقود المستخدَم في السيارات، واستخدام الوقود الخالي من الرصاص، وذلك بتوفير المصافي الحديثة والمتطوّرة.

3- زراعة أعداد كبيرة من الأشجار، مع الحفاظ على الغطاء النباتي الموجود، لامتصاص أكبر كمية ممكنة من غاز ثاني أكسيد الكربون.

4- تحسين حالة الطرق والشوارع وتنظيم حركة المرور داخل المدن والبلدات، وهو ما سيسهم في تقليل كمية انبعاثات عوادم السيارات.

5- تقليل أعداد السيارات الكبيرة وسيارات الشحن وعدم السماح لها بالمرور داخل المدن، لأنها تسهم في خلق أزمة مرورية وكذلك ترفع من نسبة التلوّث داخل المدن.

6- توعية السائقين وأصحاب السيارات للقيام بإجراء فحوصات دورية لمركباتهم، وخاصة فيما يتعلق بعملية احتراق الوقود، وكمية الانبعاثات منها، وذلك من خلال برامج إعلامية منوّعة تجعل المء يشعر بمسؤوليته تجاه البيئة التي يعيش فيها.

7- تخصيص أماكن خاصة لركن السيارات داخل المدن، ومن الأفضل أن تكون تلك الأماكن بعيدة عن مركز المدينة.

ختامًا، تنبغي الإشارة إلى أنّ موضوع استيراد السيارات الأوروبية في مناطق شمال وشرق سوريا بات يشغل الكثير من المواطنين والمراقبين، خصوصًا بعد التزايد الكبير لأعداد تلك السيارات ورداءة نوعيتها وسوء نوعية الوقود المستخدَم فيها، كما أنّ ارتفاع الإصابات بمرض السرطان والأمراض التنفّسية بات ينذر بكارثة خطيرة قد تحدث في المنطقة ما لم تتحرّك الجهات المختصّة والمعنية بالموضوع وتفرض حلولاً جذرية لوضع حدّ لما يحدث على الأرض، فصحّة الإنسان وسلامته وسلامة البيئة أهمّ من جشع التجّار وسعيهم إلى تحقيق أرباح طائلة على حساب الإنسان والبيئة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى